بعد وصفه العازبات بـ"البلارج".. بنكيران يرد: لم أُهن المرأة وحديثي عن الزواج جاء بدافع المصلحة
في خضم سجال محتدم أثارته تصريحات عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حول زواج الفتيات، تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة إليه من أطياف واسعة من المجتمع المدني والحقوقي، متهمين إياه بإعادة إنتاج خطاب تقليدي ينتقص من مكانة المرأة المغربية ويدفع بها إلى أدوار نمطية تتعارض مع روح العصر والدستور.
وكان بنكيران قد صرّح خلال مهرجان خطابي بمدينة أكادير، أن تأجيل الفتيات للزواج من أجل إتمام الدراسة أو ضمان الاستقلال المهني لا يخدم مصلحتهن، مضيفًا أن "ما كاين لا قرايا لا والو"، ومشبهًا وضع النساء اللواتي تأخرن في الزواج بـ"باللارج"، في إشارة إلى الوحدة والعزلة.
هذه التصريحات انتشرت على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، واعتُبرت من طرف كثيرين إساءة مباشرة لكرامة المرأة وتهديدًا صريحًا للمكتسبات التي راكمها المغرب في مجال حقوق النساء.
في رد مباشر على هذا الجدل، خرج بنكيران بتوضيح مصور نشره على وسائل التواصل، أكد فيه أن حديثه لم يكن موجّهًا إلى عموم المجتمع، بل إلى أنصار حزبه والمتعاطفين معه، نافياً أن يكون هدفه الانتقاص من المرأة أو التحقير منها.
وأضاف أن موقفه مبني على قناعة شخصية بأن الزواج لا يتناقض مع الدراسة أو العمل، بل يمكن أن يسير إلى جانبها، داعيًا إلى مراجعة ما وصفه بـ"العرف الخاطئ" القائم على انتظار إكمال المسار الأكاديمي قبل الإقدام على الزواج.
كما نفى أن يكون قد قصد تشبيه النساء بطائر “البلارج”، موضحًا أنه استخدم الكلمة للدلالة على الوحدة، وليس للإساءة، رغم أن المقطع المصور لتصريحاته أظهره يقول حرفيًا: "غتبقاو بوحدكم بحال بلارج"، وهو ما فُهم من طرف منتقديه على أنه تشبيه مباشر ينطوي على تحقير.
ورغم محاولاته تلطيف حدة التصريحات، فإن بنكيران لم يتردد في مهاجمة منتقديه، واصفًا بعضهم بـ"الكراكيز" و"النكافات" و"العصابة"، معتبرًا أن الهجوم عليه تحركه دوافع انتخابية ومحاولات لإسقاطه سياسيًا.
وقال في الفيديو ذاته إنه لا يمانع في أن تختار المرأة ما تشاء لحياتها، شرط أن يكون ذلك في إطار الشرع والقانون.
الردود على هذا التوضيح لم تهدأ، بل اعتبرها كثيرون تأكيدًا على ذهنية لا تزال ترى في المرأة مشروع زواج قبل أن تكون فاعلة في المجتمع، حيث عبّرت جمعيات نسائية وحقوقية عن استنكارها الشديد لما صدر عن رئيس الحكومة الأسبق، مؤكدة أن كلامه يضرب في عمق كرامة النساء المغربيات ويتنافى مع الدستور الذي ينص على المساواة الكاملة بين الجنسين.
ورأت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة رأت في تصريحات بنكيران “ارتدادًا خطيرًا” عن المكتسبات الحقوقية التي تحققت منذ إصلاح مدونة الأسرة، مرورًا بإقرار دستور 2011، وصولًا إلى السياسات العمومية التي دعمت التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء.
وطالبت الجمعية بموقف حازم من الجهات السياسية والمؤسساتية إزاء ما وصفته بـ"الخطاب التمييزي الذي يتستر خلف شعارات دينية وأخلاقية لفرض وصاية على النساء".
وفي موقف سياسي لافت، انتقدت ياسمينة بادو، الوزيرة السابقة المكلفة بالأسرة والطفولة، تصريحات بنكيران بشدة، معتبرة أنها تحمل "نزعة مهينة" وتكشف عن "ذهنية متجاوزة لا تليق بشخصية كانت في موقع المسؤولية".
وأشارت إلى أن المرأة المغربية أثبتت جدارتها في مختلف القطاعات، من القضاء إلى الطب والتعليم، ولم يعد مقبولًا النظر إليها من زاوية الزواج فقط.
الانتقادات لم تقتصر على الفاعلين المدنيين، بل امتدت إلى عدد من المثقفين والناشطين على منصات التواصل، حيث عبّر كثيرون عن رفضهم لما اعتبروه تراجعًا خطيرًا عن لغة الاحترام التي ينبغي أن تسود في الخطاب السياسي، لا سيما في ما يتعلق بالحريات الفردية وكرامة النساء.
ودعا نشطاء إلى ضرورة مساءلة السياسيين عن تصريحاتهم، باعتبارهم مؤثرين في الرأي العام، ومسؤولين عن بناء خطاب يكرّس التعايش والمساواة لا الإقصاء.