تظلمات جماعية وتقصير إداري.. أعطاب "فرصة" وبرنامج السكن والحماية الاجتماعية تحت المجهر
في ندوة صحافية عُقدت يوم الخميس 24 يوليوز 2025، قدّم حسن طارق، وسيط المملكة، التقرير السنوي لمؤسسة الوسيط برسم سنة 2024، كاشفاً عن معطيات صادمة تتعلق ببرامج الدعم الاجتماعي، وفي مقدمتها برنامج "فرصة"، وكذا منظومة السكن والتغطية الصحية.
ورصد التقرير ارتفاعاً مقلقاً في عدد التظلمات، ووقف على مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تمس عمق العلاقة بين المواطن والإدارة العمومية، وتضع موثوقية الوعود العمومية على المحك.
وسجلت مؤسسة الوسيط تلقي ما يقرب من 8000 تظلم وشكاية خلال السنة الماضية، من ضمنها 500 تظلم مرتبط ببرنامج "فرصة"، الذي أطلقته الحكومة المغربية في مارس 2022 بهدف تمويل ومواكبة 10.000 حامل مشروع.
واعتبر حسن طارق أن هذا الرقم القياسي يعكس من جهة ارتفاع مستوى الثقة في المؤسسة، ومن جهة أخرى تصاعد حجم التوترات الناتجة عن تفعيل السياسات الاجتماعية الجديدة.
وقد أبانت التظلمات المتعلقة ببرنامج "فرصة" عن اختلالات إجرائية وتنظيمية حالت دون تحقيق الأهداف المعلنة، مثل الإقصاء غير المعلل، وتعقيد المساطر، وصعوبة التوفيق بين شروط التمويل وواقع المستفيدين، خاصة في ما يتعلق بتصنيفهم كمقاولين ذاتيين دون توفير دعم مواز لهذا الوضع الجديد.
وشددت المؤسسة في تقريرها على أن فعالية البرامج الاجتماعية لا تُقاس بعدد المستفيدين فحسب، بل أيضاً بمدى مصداقية الوعود العمومية، وسلاسة الإجراءات، واستدامة الأثر الإيجابي على حياة المواطنين.
وقد تلقت المؤسسة تظلمين جماعيين من "التنسيقية الوطنية لضحايا برنامج فرصة" و"الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان"، يشتكيان الإقصاء من التمويل رغم استيفاء الشروط.
ووفقاً لما أورده التقرير، فإن عدداً من المشاركين في البرنامج حصلوا على موافقة مبدئية واستكملوا مراحل التكوين، إلا أنهم انتظروا لأشهر دون التوصل بالدعم، مما تسبب في آثار سلبية مباشرة، من بينها ارتفاع تكاليف الانطلاقة، وفقدان الثقة، وتعطل أو توقف المشاريع.
ودعت مؤسسة الوسيط، استناداً إلى مقترح قدمته في دجنبر من العام الماضي، إلى اعتماد حلول استثنائية من قبيل رصد ميزانية إضافية أو خلق آليات تمويلية موازية، لضمان حق حاملي المشاريع في التمويل والإنصاف.
وفي المحور المتعلق بالحق في السكن، أورد التقرير السنوي استمرار اختلالات عميقة تطال برامج الدولة في هذا المجال، وعلى رأسها مبادرة "مدن بدون صفيح" وبرامج السكن الاجتماعي المدعم.
وكشفت التظلمات، حسب التقرير الذي قدمه حسن طارق عن تفاوتات كبيرة في معايير الاستفادة، وتعقيد المساطر، وضعف التفاعل الإداري، ما كرّس شعوراً بالإقصاء لدى عدد من الفئات.
وسُجّلت حالات عدم تمكين حاملي شهادات الهدم من الاستفادة رغم توفرهم على وثائق تثبت أحقيتهم، وتأخر في تنفيذ برامج إعادة الإسكان، إضافة إلى استخلاص أموال من المرتفقين دون تمكينهم من السكن.
وقد لوحظت اختلالات في التدبير بمناطق حضرية كبرى، خصوصاً جهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، التي شهدت توترات حادة مرتبطة بالإقصاء والتأخر في معالجة الملفات.
كما وقفت المؤسسة على مشاكل في معالجة ملفات الدور الآيلة للسقوط، وعدم إدماج الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالأحياء الصفيحية في برامج إعادة الإيواء، ما فاقم من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي لقاطني هذه المناطق.
وأكد التقرير أن الحق في السكن ليس مجرد امتياز إداري، بل هو حق دستوري ونصت عليه مواثيق دولية، وأن اختلالات الواقع تهدد بتحويل هذا الحق إلى وعد غير مُنجز.
أما على مستوى الحماية الاجتماعية، فقد رصدت مؤسسة الوسيط اختلالات تهدد فعالية ورش تعميم التغطية الصحية، وتقلل من أثره الاجتماعي. وذكرت المؤسسة أن أبرز المشاكل تكمن في تأخر تعويض المصاريف الطبية، ورفض تعويض أدوية ضرورية رغم توفرها في السوق، وتدخل صناديق الحماية في قرارات طبية، مما يسيء إلى العلاقة بين الطبيب والمريض ويقوض الثقة في النظام.
كما تم تسجيل غموض كبير، حسب التقرير في تحديد نطاق الخدمات المشمولة بالتغطية، واعتماد نسب تعويض لا تعكس التكاليف الواقعية للعلاج، ما يستدعي مراجعة شاملة للتعريفة المرجعية الوطنية.
التقرير توقف أيضاً عند صعوبات التسجيل الرقمي، خاصة لدى فئات مهنية غير متمرسة في التعامل مع المنصات، مما أدى إلى استغلالهم من قبل وسطاء وحرمانهم من الاستفادة.
كما أشار إلى عدم ملاءمة الاشتراكات المفروضة مع قدراتهم الاقتصادية، لا سيما لدى المهن ذات الدخل غير المستقر، ما دفع البعض إلى مغادرة النظام أو عدم الالتحاق به أصلاً.
وسجل التقرير غياب معايير استهداف عادلة، حيث أُقصيت أسر هشّة بناء على معايير غير موضوعية، مثل نوع الأثاث أو الأجهزة المنزلية.
كما تم الوقوف على حالات استخدم فيها الدعم الاجتماعي لأداء اشتراك التأمين الصحي، مما أفقد الدعم جدواه وأثقل كاهل المستفيدين مجدداً، حسب التقرير السنوي.
وتلعب مؤسسة الوسيط، دوراً محورياً في تقييم السياسات العمومية من زاوية العدالة الاجتماعية، وتوجيه انتباه الدولة إلى التوترات الصامتة التي يعيشها المواطنون في علاقتهم بالمؤسسات.