أمينة المستاري
تتعدد أسباب ارتكاب جرائم قتل في حق الأقارب في المجتمع المغربي، إلا أن أبرزها يرتبط بخلافات أسرية مزمنة تشمل النزاعات الزوجية، حالات الطلاق، والانهيارات في بنية العلاقات العائلية، الإدمان على المخدرات القوية..وهو ما ساهم في تفجير العنف داخل الأسرة.
في تلك الليلة ، عاد "شفيق"، شاب في السادسة والعشرين من عمره، الغارق في عالم الإدمان والضياع منذ سنوات مراهقته. أدمن الأقراص المهلوسة، وسار في دروب التيه والعنف، لم يكن غريبا على من عرفوه أن يسمعوا عنه خبرا سيئا جديدا، فقد اعتدى على والدته ذات مرة، لينتهي به المطاف في السجن، ثم أدخل مصحة ابن رشد النفسية. لكن كل ذلك لم يطفئ نار الغضب التي كانت تشتعل داخله يوما بعد يوم.
في فجر يوم الثلاثاء، عند الرابعة صباحًا، وقف شفيق أمام باب شقة شقيقته. كانت والدته من فتحت له الباب لكنها بالكاد تعرفت عليه، وجهه متوتر وعيناه متوهجتان. حاولت شقيقته الحامل منعه من الدخول، غير أنه دفعها بعنف، واندفع إلى الداخل وهو يطالب بالمال، لكن رفض الأسرة كان مفيلا بإشعال فتيل الجنون في داخله.
توجه إلى المطبخ، أمسك بـ"مهراز" نحاسي ثقيل، وعاد إلى حيث تقف والدته وأخته، هجم عليهما الواحدة تلو الأخرى وانهال عليهما ضربا دون رحمة...أصوات الألم خمدت بسرعة، لكن جنونه لم يتوقف. في الزاوية، كان ابن شقيقته الصغير ذو السبع سنوات يرتجف من الخوف أما وحش لم يكن سوى خاله، وفي لحظة غرق هو الآخر في العتمة.
وكأن المشهد لم يكن كافيا من الرعب، بعد أن خيم الصمت على الشقة، قيد شفيق الجثث بمناديل الرأس، ثم جلس هناك لساعات ينتظر وكأنه كان بحاجة إلى فصل أخير في هذه المأساة، عند السابعة مساء ، عاد زوج شقيقته من العمل، وما إن دخل حتى تلقى ضربات غادرة أودت بحياته هو الآخر...أربع جثث في غرفة واحدة، باب مغلق، وقاتل يفر في صمت بعد جريمة بشعة.
مرت ساعات، لم تجب الأم ولا الشقيقة على اتصالات إحدى الأخوات المقيمات بالخارج. زحف القلق نحو قلبها، فاتصلت بأقاربها في المدينة، الذين بادروا بإبلاغ الشرطة. وعندما اقتحمت الفرق الأمنية الشقة، كان المشهد مرعبا: أربع جثث ممددة على الأرض، مكبلة، والدم يغطي الزوايا وصمت ثقيل يلف المكان.
لم يدم اختفاء الجاني طويلا، بعد 48 ساعة، تم توقيفه في مقاطعة درب السلطان. أُدخل إلى الجناح 36 بمستشفى ابن رشد تحت المراقبة الطبية، بسبب اضطراباته النفسية الحادة. وأثناء التحقيق، اعترف شفيق بكل تفاصيل جريمته. كانت دوافعه، كما قال، مزيجًا من الإدمان، ورفض أسرته منحه المال، إضافة إلى شعوره الدائم بالحقد و"الحكرة" والتمييز، إذ كان يعتقد أن والدته تفضّل شقيقاته عليه دائما.
تلك الليلة السوداء لم تكن فقط جريمة مروعة، بل كانت صرخة صادمة عن الإدمان، والخلل الأسري، والغضب الكامن الذي يمكن أن يتحول في لحظة إلى مجزرة لا تُنسى.