تكرار حوادث الغرق يكشف غياب التوعية وهشاشة إجراءات الوقاية

الكاتب : انس شريد

31 July 2025 - 09:30
الخط :

تشهد الشواطئ والمناطق المائية في المغرب، مع ارتفاع درجات الحرارة وحلول فصل الصيف، تصاعدًا مقلقًا في عدد حوادث الغرق المميتة، التي تحوّل عطلة العديد من الأسر المغربية إلى مآسٍ مأثورة، وتسلّط الضوء من جديد على أعطاب بنيوية ومجتمعية مستمرة، يتداخل فيها غياب البنية التحتية الكافية مع ضعف التوعية وانعدام الصرامة في تطبيق القانون.

في أحدث فصول هذه الحوادث المؤلمة، هي التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، مؤخرا، بعد العثور على جثة شاب مجهول الهوية لفظها شاطئ العنق، على مقربة من مطعم لاكسكاد الشهير بمنطقة أنفا، في مشهد أثار حالة من الذهول بين المصطافين الذين صادفوا الواقعة.

وقد استنفرت الحادثة السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية، التي قامت بانتشال الجثة وفتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في انتظار تحديد الأسباب الحقيقية وراء الغرق.

هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة إشكالية الحراسة البحرية في الشواطئ المغربية، وغياب منقذين مؤهلين في عدد منها رغم كثافة الإقبال، ما يثير علامات استفهام حول مدى جاهزية الجهات المعنية لتأمين سلامة المواطنين خلال موسم الاصطياف، ويدفع العديد من الأصوات المدنية إلى المطالبة بمراجعة شاملة لتدبير هذا الملف الحيوي.

العديد من الشواطئ، خصوصًا القريبة من التجمعات السكنية أو الواقعة خارج المدار الحضري، تعاني من انعدام الحراسة والتجهيزات الأساسية، فضلاً عن غياب لوحات التشوير والتحذير.

وعلى الرغم من تصنيف بعضها ضمن المناطق غير الصالحة للسباحة، إلا أن هذا التحذير لا يُترجم على أرض الواقع بالإجراءات الردعية أو التوعية الفعلية التي تمنع السباحة فيها.

ما يزيد الوضع تعقيدًا هو اضطرار المواطنين، ولا سيما في المناطق الفقيرة أو القروية، إلى التوجه نحو الشواطئ الخطرة أو الصهاريج الفلاحية المكشوفة، هربًا من لهيب الصيف وغياب البدائل الترفيهية، وهو ما يحوّل المياه الراكدة إلى فخاخ قاتلة.

ففي مناطق مثل دوار المرادسة قرب تامنصورت ودوار فورني بجماعة سعادة، سجلت حالات غرق مأساوية، راح ضحيتها أطفال لم يتجاوزوا عقدهم الأول، في حوادث تعكس هشاشة الحماية الاجتماعية وغياب الحد الأدنى من البنى التحتية الآمنة.

وفي مشهد يعكس واقعًا أكثر خطورة، رصدت “الجريدة 24” توافدًا كثيفًا للشباب والأطفال على منطقة “المريبعة” قرب مسجد الحسن الثاني، للسباحة في بيئة تعجّ بالنفايات وتفتقر لأبسط شروط النظافة والسلامة، ما يشكل خطرًا مزدوجًا على صحتهم وحياتهم، ويكشف عن غياب واضح للرقابة البلدية والوعي الجماعي.

الفاعلون المدنيون يؤكدون أن هذه الأوضاع تمثل نتيجة مباشرة لسياسات محلية تفتقر للتخطيط الاستباقي، حيث لا يتم تأمين الصهاريج أو تسييجها، كما تغيب الحملات التوعوية الفعالة حول مخاطر السباحة في الأماكن غير المحروسة، متساءلين عن مدى خضوع عناصر المراقبة لتكوينات خاصة.

كما اعتبرت الفعاليات المدنية، أن بعض العائلات تتحمل جزءا من المسؤولية؛ لأنها تترك أطفالها يسبحون في أماكن خطرة، حيث شددت أن تنظيم الشواطئ مسؤولية جماعية، يتقاسمها الجميع.

الوضع لم يمر بصمت على المستوى السياسي، حيث دخل البرلمان على خط هذه الأزمة المتكررة، ووجه عدد من النواب مرارا أسئلة كتابية إلى وزير الداخلية، يطالبون فيها الحكومة باتخاذ تدابير ملموسة لحماية الأطفال من خطر الموت غرقًا، داعين إلى بلورة حلول دائمة تشمل تهيئة المسابح العمومية بأسعار في المتناول، وتوفير فضاءات ترفيهية بديلة، خصوصًا في الأحياء المهمشة والمناطق القروية.

وبينما تتوزع المسؤوليات بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني والأسر، فإن الحد من هذه الحوادث القاتلة يظل رهينًا بإرادة جماعية صادقة، وبصرامة في تطبيق القانون، وتوفير بدائل حقيقية وآمنة للأطفال والشباب، حتى لا يتحوّل البحر والنهر والسقي إلى شواهد موسمية على التقصير والإهمال.

آخر الأخبار