الدار البيضاء تمر للسرعة القصوى لإخراج مشاريع ضخمة من حالة الجمود

الكاتب : انس شريد

02 August 2025 - 10:00
الخط :

تشهد مدينة الدار البيضاء حركية غير مسبوقة في تنفيذ سلسلة من المشاريع الهيكلية، في محاولة لإعادة الاعتبار للبنيات التحتية وتحسين جودة الخدمات داخل العاصمة الاقتصادية للمملكة.

هذه المشاريع، التي تمتد إلى قطاعات متعددة تشمل النقل والنظافة والأسواق والفضاءات الخضراء، يتم تنفيذها بشراكات متعددة المستويات وبميزانيات ضخمة، في ظل إرادة واضحة لتدارك ما اعتُبر سنوات من التراخي والتأخر في إخراج مخططات التهيئة والتنمية إلى حيز التنفيذ.

وفي مقدمة هذه الأوراش، يبرز مشروع إعادة تأهيل محطة أولاد زيان، الذي يُعد من أبرز المبادرات الرامية إلى النهوض بقطاع النقل الطرقي على مستوى المدينة.

المشروع، الذي يُنجز في إطار اتفاقية شراكة تجمع بين جماعة الدار البيضاء ومجلس العمالة ومديرية الجماعات الترابية وإدارة المحطة، خصصت له ميزانية تُناهز 80.7 مليون درهم.

ويشمل نطاق الأشغال تجديد الأرصفة والممرات، وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي، إلى جانب تحسين فضاءات الانتظار والتنقل داخل المحطة، بما يعزز من راحة وأمان المسافرين.

ويتضمن المشروع أيضاً إحداث شباك موحد للمسافرين، وتزويد المحطة بنظام معلوماتي متطور لتدبير حركة الحافلات، إضافة إلى شبابيك أوتوماتيكية لاقتناء التذاكر، في خطوة تروم الرفع من كفاءة الخدمات وسرعة الاستجابة لاحتياجات المرتفقين.

وتُقدّر كلفة تهيئة مبنى المحطة وحده بنحو 43.9 مليون درهم، فيما رُصد مبلغ 16.9 مليون درهم لتحسين المحيط الخارجي، والذي سيعرف تهيئة المساحات الخضراء، وزرع الأشجار، وبناء جدران جديدة، وتركيب هياكل معدنية حديثة تغطي مناطق الانتظار. كما ستشهد المحطة تحديث شبكات الكهرباء والماء والاتصالات.

ويُشكل هذا الورش جزءاً من رؤية شمولية تهدف إلى تعزيز جاذبية الدار البيضاء كمركز اقتصادي محوري، وذلك عبر تجهيز بناها التحتية وفق معايير حديثة تستجيب لمتطلبات التوسع الحضري المتسارع الذي تعرفه المدينة.

في موازاة ذلك، عاد مشروع حديقة الحيوانات بعين السبع إلى الواجهة، بعد سنوات من الجمود الذي رافق مراحله الأولى منذ سنة 2014.

فقد تم التوقيع مؤخرًا على اتفاقية شراكة متعددة الأطراف ضمت ولاية جهة الدار البيضاء سطات، وعمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، والمجلس الجماعي، والمكتب الوطني للسكك الحديدية، وشركة الدار البيضاء للتهيئة، لتسريع وتيرة إنجاز المشروع.

وتهدف هذه الاتفاقية إلى استكمال العناصر التقنية المتبقية، وعلى رأسها إعادة بناء السور الوقائي وتحويل شبكة السقي، وهما مكونان أساسيان لضمان سلامة البنية التحتية للحديقة.

وتبلغ الكلفة التقديرية للأشغال الحالية حوالي خمسة ملايين درهم. وتمتد الحديقة على مساحة تقدر بـ13 هكتارًا، خصصت منها عشرة هكتارات لإيواء الحيوانات، وثلاثة للمرافق الترفيهية والخدماتية.

ويستند تصميم المشروع إلى رؤية تنقسم إلى ثلاث مناطق جغرافية تمثل كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا، في محاكاة للنماذج الدولية لحدائق الحيوانات. ومن المنتظر أن تحتضن الحديقة أكثر من 300 حيوان ينتمون إلى 75 صنفًا، داخل فضاءات تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل بيئة طبيعية.

كما ستتوفر على مزرعة تعليمية، مركز بيطري، فضاءات للنزهة، مطاعم، متجر، وأكشاك متنوعة، إلى جانب مسارات بيداغوجية موجهة للعائلات والأطفال لنشر الثقافة البيئية.

وفي سياق متصل، تم التوقيع على اتفاقية جديدة تروم تعزيز خدمات النظافة وتطوير البنية البيئية بالمدينة، من خلال مشروع إنشاء وتدبير مركز لطمر وتثمين النفايات المنزلية.

الاتفاقية، التي تضم وزارة الداخلية، ولاية جهة الدار البيضاء، عمالة إقليم مديونة، مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، ومجلس جماعة الدار البيضاء، خصص لها مبلغ 3198 مليون درهم.

ويأتي هذا المشروع في إطار البرنامج الوطني لتدبير النفايات، ويهدف إلى تحسين جودة الخدمات البيئية، وتقليص التلوث، وتحسين ظروف عيش السكان من خلال رفع كفاءة جمع النفايات وتنظيف الشوارع، وإنشاء مراكز متخصصة في المعالجة.

وفي خطوة استراتيجية على المستوى التجاري، باشرت جماعة الدار البيضاء تنفيذ مشروع ضخم يهدف إلى ترحيل أسواق الجملة للخضر والفواكه والمجازر إلى منصة جديدة بحد السوالم.

ويأتي المشروع، الذي يُصنّف ضمن أكبر الأوراش المهيكلة في تاريخ المدينة، ضمن خطة لإعادة تنظيم القطاع التجاري وضمان استدامته.

ويهدف إلى تطوير منصة متكاملة لتسويق المنتجات الغذائية والبحرية، تضم أسواقًا متخصصة، مرافق لوجستيكية، وخدمات عصرية، بما يُواكب تطور سلاسل الإنتاج والتوزيع على المستوى الجهوي.

ورغم الجدل الذي أثير حول المشروع، خصوصًا من طرف التجار والمهنيين الذين عبّروا عن تخوفهم من تأثير الترحيل على مداخيلهم، اعتمدت الجهات المسؤولة مقاربة تواصلية تشاركية مع الفاعلين المعنيين، من خلال لقاءات توضيحية مع ممثليهم.

ووفقا لمصادر "الجريدة 24"، فإن المشروع لا يهدف فقط إلى نقل الأسواق، بل يروم إرساء نموذج تجاري جديد يقوم على حفظ كرامة التاجر، وتنظيم الفضاءات التجارية، وضمان شروط النظافة والسلامة، وتجاوز مظاهر الفوضى والازدحام التي تطبع محيط الأسواق التقليدية.

وبالتوازي مع هذه المشاريع، تسارع الجهات المنتخبة تنفيذ عمليات لإعادة تأهيل الأسواق المتلاشية داخل المدينة، وذلك في إطار خطة لتحديث الفضاءات التجارية وتأمينها ضد المخاطر المحتملة، خصوصًا في ظل التحذيرات من انهيارات محتملة تهدد حياة التجار والمرتفقين.

كل هذه المشاريع مجتمعة تعكس رغبة واضحة في تحويل الدار البيضاء إلى قطب حضري واقتصادي حديث، يستجيب لمتطلبات ساكنته، ويُحسّن من جودة عيش المواطنين، ضمن تصور تنموي متكامل يُراهن على التهيئة الحضرية كرافعة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.

آخر الأخبار