أزمة التسول في الصيف تُقلق السياح وتدفع الحكومة لتسريع التدخلات

الكاتب : انس شريد

03 August 2025 - 10:30
الخط :

مع حلول موسم الاصطياف وما يرافقه من دينامية سياحية واقتصادية، عادت ظاهرة التسول بقوة إلى واجهة النقاش العمومي، حيث تشهد العديد من المدن الساحلية توافداً لافتاً لأفواج من المتسولين من مختلف الأعمار، في مشهد يثير قلق فعاليات المجتمع المدني والسلطات على حد سواء.

وقد رصدت مصادر ميدانية للجريدة 24 انتشاراً مكثفاً للمتسولين على طول الكورنيشات، خاصة بكورنيش عين الذئاب، وبمحيط مطاعم ماروكو موكول، إلى جانب شواطئ دار بوعزة وصابليط بالمحمدية، حيث باتت هذه الفضاءات تعج بطوابير من المتسولين الذين يقتحمون المقاهي والمطاعم دون حرج، ما أثر سلباً على تجربة الزوار والسياح، وطرح تساؤلات حول تدبير الفضاء العام في مدن يفترض أن تعكس واجهة حضارية للمملكة.

الاحتجاجات لم تأت فقط من جانب الزوار أو المواطنين، بل عبّرت عنها مراراً هيئات مدنية وحقوقية دعت إلى تدخل عاجل من الجهات المختصة للحد من تنامي هذه الظاهرة، لا سيما في ظل اقتراب احتضان المملكة لأحداث دولية كبرى، حيث من المتوقع أن تتجه عدسات الإعلام العالمي نحو الشوارع المغربية، ما قد يُحرج صورة البلاد إذا لم يتم تطويق الظواهر المشينة المرتبطة بالهشاشة الاجتماعية.

في هذا السياق، خرجت نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، لتؤكد أن الحكومة لا تقف موقف المتفرج، بل تباشر حزمة من الإجراءات ضمن خطة متكاملة لمحاصرة الظاهرة، استناداً إلى مقاربة شاملة متعددة الأبعاد.

وأكدت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى،  أن الحكومة واعية بخطورة تنامي الظاهرة، موضحة أن المقاربة المتبناة لا تكتفي بالرصد والتنديد، بل تشمل خطة عمل متكاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: الوقاية، الحماية، والإدماج.

وكشفت نعيمة ابن يحيى في جواب كتابي على سؤال قدمه رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب إدريس السنتيسي أن الوزارة رصدت خلال العام الماضي ميزانية قاربت 48,7 مليون درهم لدعم 185 مؤسسة للرعاية الاجتماعية، بينها 33 مؤسسة متخصصة في استقبال المتسولين والمشردين، بطاقة استيعابية بلغت 4634 مستفيداً.

وأضافت أن التدخل الحكومي لا يقتصر على الدعم المالي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى مواكبة شاملة نفسياً واجتماعياً وصحياً، من خلال حملات توعية وتحسيس ميدانية تهدف إلى التحذير من مخاطر التسول، خاصة حين يتعلق الأمر باستغلال القاصرين، كما أن الوزارة عملت، عبر مؤسسة التعاون الوطني، على تعزيز قدرات مراكز الإسعاف الاجتماعي المتنقل، إلى جانب توسيع البنية الاستقبالية للأطفال في وضعية هشاشة.

ووفقاً للمعطيات الرسمية التي قدمتها الوزيرة، فإن هذه المراكز استقبلت خلال سنة 2024 ما يزيد عن 44 ألف طفل، موزعين على 101 مؤسسة بمختلف جهات المملكة، ما يعكس توسعاً تدريجياً في المنظومة الوقائية.

كما أكدت الوزيرة في معرض جوابها، أنه تم تعزيز آليات الحماية للأطفال من الاستغلال في التسول، من خلال الخطة الوطنية التي أطلقت منذ سنة 2019، والتي بدأت في محور الرباط–سلا–تمارة، وامتدت إلى مدن طنجة ومراكش وأكادير ومكناس، بناءً على تشخيص ميداني دقيق وتحريك آليات تنسيقية تضم السلطات المحلية والأمنية والاجتماعية.

وأوضحت الوزيرة أن الاستراتيجية الحكومية تعتمد أيضاً على حلول للإيواء المؤقت والدائم لفئة المتسولين دون سند أسري، مع محاولة إدماجهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وذلك من خلال توفير فرص للتكوين المهني والتشغيل الذاتي، فضلاً عن المرافقة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، في أفق تجاوز الحالة المؤقتة إلى وضعية إدماج مستدام.

ومع ذلك، لا تخفي فعاليات المجتمع المدني امتعاضها من بطء وتيرة النتائج، خاصة أمام ما تعتبره تصاعداً مقلقاً لأعداد المتسولين خلال موسم الصيف، وخصوصاً في الفضاءات السياحية التي تشهد اكتظاظاً كبيراً. كما اعتبرت أصوات حقوقية أن المعالجة الحكومية تبقى قاصرة ما دامت لا تشمل بشكل مندمج وزارات أخرى معنية بالشق الوقائي والتربوي، مثل وزارات الداخلية، العدل، التربية الوطنية، والاقتصاد.

وفي هذا السياق، سبق للمرصد الوطني لتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد أن حذر من التحول البنيوي لظاهرة التسول من إشكال اجتماعي إلى معضلة وطنية ذات أبعاد أمنية واقتصادية، خاصة في ظل وجود مؤشرات عن تورط شبكات غير رسمية في تنظيم عمليات تسول منظمة تستغل الهشاشة الاجتماعية، بل وتدفع الأطفال إلى الشارع عن سبق إصرار، ما يتطلب تشديد الرقابة وتعزيز الآليات القانونية الزجرية، دون المساس بحقوق الإنسان أو تفاقم الأوضاع الهشة.

ومع توالي النداءات والتحذيرات، يبدو أن المغرب أمام رهان مزدوج: تحسين واقعه الاجتماعي الداخلي، من جهة، وصيانة صورته الخارجية أمام العالم، من جهة ثانية، وهو ما يجعل من معالجة ظاهرة التسول في المدن الكبرى أولوية تتقاطع فيها المسؤوليات بين مختلف الفاعلين، بعيداً عن المقاربات الظرفية أو الترقيعية.

آخر الأخبار