وفاة رضيع بلسعة عقرب تفضح هشاشة المنظومة الصحية في المناطق النائية

الكاتب : انس شريد

05 August 2025 - 08:30
الخط :

شهد المغرب خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، ما أدى إلى تصاعد نشاط الزواحف السامة، وعلى رأسها العقارب والأفاعي، خاصة في المناطق القروية والجبلية التي تعاني هشاشة البنيات التحتية الصحية.

وقد كشفت هذه الظروف عن واقع مأساوي تعيشه العديد من الأسر في القرى النائية، خصوصاً بعد حادث مأساوي تمثل في وفاة طفل رضيع لا يتجاوز عمره 11 شهراً، بجماعة إمي نولاون التابعة لإقليم ورزازات، إثر تعرضه للدغة عقرب، دون أن يتمكن الطاقم الطبي من إنقاذه بسبب التأخر في نقله وصعوبة الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب، في ظل غياب الوسائل الأساسية للتدخل.

هذا الحادث المؤلم أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً جديداً حول مدى نجاعة المنظومة الصحية في المناطق المعزولة، ومدى قدرة الدولة على توفير الحماية الفعلية للسكان القرويين في مواجهة الأخطار الطبيعية الموسمية.

وقد خلّف هذا الحادث تفاعلاً واسعاً في الأوساط المدنية والبرلمانية، حيث وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، إيمان لماوي، سؤالاً كتابياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، دعت فيه إلى اتخاذ تدابير عاجلة لتدارك النقص المسجل في وسائل الوقاية والتكفل، خصوصاً على مستوى المستوصفات والمراكز الصحية الجبلية التي تفتقر إلى الأدوية الأساسية، وعلى رأسها الأمصال المضادة لسم العقارب.

وأكدت النائبة البرلمانية أن هذا النوع من الحوادث يتكرر كل صيف، نتيجة تقصير واضح في التخطيط والتجهيز، مشيرة إلى أن البعد الجغرافي وغياب النقل الاستعجالي يُضاعفان من عدد الضحايا، خاصة في ظل ارتفاع حالات التسمم في صفوف الأطفال والفئات الهشة.

وطالبت لماوي الوزارة بالكشف عن الإجراءات الفعلية التي تعتزم اتخاذها لتزويد مستوصفات إقليم ورزازات، خاصة في الدواوير النائية، بالمستلزمات الضرورية، كما تساءلت عن وجود خطة فعلية لتعزيز الإسعاف القروي خلال فصل الصيف، تماشياً مع طبيعة المخاطر التي تعرفها هذه المناطق.

وتزامناً مع هذه الفاجعة، سبق لوزارة الصحة أن عقدت يوماً دراسياً لعرض حصيلة الاستراتيجية الوطنية لمحاربة التسممات الناتجة عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، والتي يتم تنفيذها منذ سنة 1999، وعرفت تعزيزاً في عام 2013، عبر دمج مكونات جديدة تهم التكوين والتحسيس والتكفل الطبي السريع.

وخلال هذا اللقاء، تم إطلاق الأسبوع الوطني للتحسيس بهذه الظاهرة، تحت شعار "لنحمي أنفسنا من تسممات الأفاعي والعقارب"، في مسعى إلى ترسيخ ثقافة وقائية لدى المواطنين، خاصة في الجهات المعروفة بانتشار الزواحف السامة.

وقد أكد الكاتب العام لوزارة الصحة، في كلمة ألقاها نيابة عن الوزير، أن الوزارة تعمل على تقليص عدد الوفيات إلى "صفر"، رغم صعوبة التحدي، مشيراً إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من خفض معدل وفيات لسعات العقارب من 2.37% إلى 0.14%، كما انخفضت نسبة الوفيات الناتجة عن لدغات الأفاعي من 7.2% سنة 2012 إلى 1.9% في سنة 2024.

وأوضح المتحدث ذاته أن المغرب يسجل سنوياً نحو 25 ألف حالة لسعة عقرب، يُصنف حوالي 2500 منها كتسمم فعلي، فيما تُعالج باقي الحالات دون مضاعفات كبيرة، بفضل تدخلات طبية وصفها بالفعالة.

في المقابل، سجلت الوزارة تراجعاً عن استعمال المصل المضاد لسم العقارب، بناء على توصيات علمية دولية، أكدت محدودية فعاليته، واحتمال تسببه في مضاعفات صحية خطيرة، كحالات الصدمة التحسسية.

واعتمدت الوزارة بروتوكولاً علاجياً بديلاً يركز على الدعم الطبي السريع والتكفل بالمضاعفات الحيوية الناتجة عن التسمم، مع تشجيع الإسعاف الاستباقي والتدخل المبكر، خاصة لدى الفئات الهشة والأطفال، الذين يمثلون الفئة العمرية الأكثر عرضة للوفاة جراء هذه التسممات.

وتُظهر الإحصائيات الرسمية، حسب ما تم التطرق له مؤخرا في الأيام التحسيسية أن أكثر من 40% من لسعات العقارب تقع داخل المنازل، وغالباً ما تصيب اليدين أو القدمين، بينما تستهدف لدغات الأفاعي الذكور بنسبة تفوق 59%، في سياق الأنشطة الفلاحية التي تشكل ما يقارب 70% من الحالات، وتحديداً خلال أشهر الصيف.

وتُسجل أعلى نسب التسمم في جهات مثل مراكش آسفي، سوس ماسة، بني ملال خنيفرة، درعة تافيلالت، والدار البيضاء سطات، وهي مناطق تتقاطع فيها عوامل الطبيعة الجغرافية وارتفاع الحرارة وكثافة النشاط الفلاحي.

وفي إطار خططها الاستباقية، أعلنت الوزارة عن توفير 1200 وحدة علاجية موجهة لحالات لسعات العقارب، و600 حقنة مصل مضاد لسم الأفاعي، تم توزيعها على المستشفيات الجهوية والمراكز الجامعية، مع تفعيل منظومة مداومة طبية يشرف عليها مختصون في علم التسمم، يقدمون الدعم والمواكبة الطبية الفورية في الحالات المعقدة.

كما تم إطلاق برامج تكوين تستهدف الأطر الصحية في المناطق القروية، من أجل رفع جاهزيتهم للتعامل مع حالات التسمم، وتسريع عمليات التشخيص والتكفل الطبي.

ورغم المؤشرات الإيجابية المسجلة على مستوى التخفيض من نسب الوفيات، إلا أن المعضلة الحقيقية لا تزال مرتبطة بصعوبة الولوج إلى العلاج في الزمن المناسب، وغياب شبكة إسعاف فعالة وسريعة في القرى والدواوير، بالإضافة إلى ضعف التغطية الطبية المستمرة في عدد من المناطق، وهو ما يترك آلاف المواطنين عرضة للخطر كل صيف، خاصة الأطفال الذين يتأثرون بسرعة بالسموم، ويصعب عليهم الصمود في حال تأخر التدخل الطبي.

وتبقى الحاجة ملحة لإعادة النظر في سياسات الوقاية والتكفل الصحي في الوسط القروي، ليس فقط من زاوية البنية التحتية والتجهيزات، بل أيضاً من خلال اعتماد مقاربات متكاملة تشمل التوعية المجتمعية، وتعبئة المجتمع المدني، وتعزيز التنسيق بين القطاعات المتدخلة.

آخر الأخبار