المغرب يرسخ حضوره في الساحل الإفريقي.. والجزائر تفقد أوراق التأثير
يواصل المغرب ترسيخ حضوره كلاعب محوري في معادلة الاستقرار الإقليمي بمنطقة الساحل الإفريقي، مستفيدًا من تحولات جيوسياسية وأمنية تعيد تشكيل موازين القوى في الإقليم.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الجزائر تراجعًا ملحوظًا في نفوذها التقليدي بالمنطقة، تمضي الرباط بخطوات ثابتة لتعزيز موقعها عبر استراتيجية شاملة تقوم على الاقتصاد والتكامل الإقليمي والتعاون الأمني والديني.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فقدت الجزائر تدريجيًا دورها البارز كوسيط في أزمات الساحل، حيث تتوالى المؤشرات على تراجع قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
في المقابل، يستثمر المغرب هذا الفراغ لتعزيز حضوره الإقليمي عبر ما تصفه تقارير دولية بـ“الاستراتيجية الأطلسية”، وهي رؤية طويلة المدى تهدف إلى منح دول الساحل، غير الساحلية بطبيعتها، منفذًا مباشرًا إلى المحيط الأطلسي من خلال البنية التحتية للموانئ المغربية.
وكان صاحب الجلالة الملك محمد السادس في دجنبر 2023 عن مبادرة استراتيجية لفتح ممرات تجارية ولوجستية لهذه الدول، بما يكسر عزلتها الجغرافية ويدعم اندماجها الاقتصادي الإقليمي.
ولا يقتصر الحضور المغربي على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى المجالين الأمني والديني، حيث عززت الرباط تعاونها مع دول الساحل في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وفي هذا الصدد، ذكرت مجلة "جون أفريك" الفرنسية، المتخصصة في الشؤون الإفريقية، أن منطقة الساحل الإفريقي تعيش مرحلة تحولات دبلوماسية وسياسية عميقة، تراجعت معها قدرة الجزائر على الاضطلاع بدورها التقليدي كوسيط في أزمات المنطقة، في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز حضوره الإقليمي بخطوات مدروسة تعتمد على مشروع متكامل يجمع بين الأبعاد الاقتصادية والدينية والأمنية في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وأوضحت المجلة، في تحليل موسع، أن المحاولة التي أعلن عنها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يوليوز الماضي، للتوسط بين الحكومة المالية والمتمردين الطوارق في شمال مالي، بدت منذ البداية محدودة الأفق ولا تملك فرصًا واقعية للنجاح، مشيرة إلى أنها أقرب إلى "موقف سياسي" يستهدف الحفاظ على صورة الجزائر الدبلوماسية أكثر مما تعكس عرضًا عمليًا لحل الأزمة.
وبحسب التقرير، فإن السلطات المالية، خاصة في ظل حكم المجلس العسكري الحالي، ترفض بشكل قاطع أي وساطة أجنبية في شؤونها الداخلية، وتتحفظ بشكل خاص على المبادرات القادمة من الجزائر، التي تتهمها بإيواء قيادات بارزة من التمرد الطارقي إلى جانب شخصيات دينية مؤثرة مثل الإمام محمود ديكو، الذي يعد من أبرز الفاعلين في المشهد السياسي والديني بمالي.
ويعود هذا الرفض، بحسب المجلة، إلى اختلاف جذري في مقاربة الطرفين، إذ تحرص الجزائر على الإبقاء على علاقة متوازنة مع الطوارق في مالي لتجنب أي تصعيد قد يمتد إلى أراضيها الجنوبية، حيث توجد حقول النفط والغاز التي تشكل ركائز حيوية لاقتصادها. هذه السياسة الاحترازية، وإن كانت مفهومة من منظور الأمن القومي الجزائري، فإنها أضعفت قدرتها على لعب دور الوسيط المحايد في نظر السلطات المالية وحلفائها الجدد.
وسلطت "جون أفريك" الضوء على محطات بارزة عكست تراجع النفوذ الجزائري في الساحل، أولها انسحاب مالي رسميًا في يناير 2024 من اتفاق الجزائر الموقع عام 2015، والذي كان يُعتبر أبرز إنجاز دبلوماسي للجزائر في المنطقة، وثانيها رفض سلطات النيجر في أكتوبر 2023 مقترح الجزائر بانتقال سياسي مدني بعد الانقلاب العسكري.
وأضافت المجلة أن اعتماد "ميثاق السلام" في مالي، تحت إشراف رئيس الوزراء الأسبق عثمان إسوفو مايغا، مثّل إعلانًا عمليًا عن تجاوز اتفاق الجزائر ووضعه في إطار الماضي، ما يعني نهاية مرحلة كانت فيها الجزائر تتصدر مشهد الوساطة الإقليمية.
وترى المجلة أن التحولات السياسية في كل من باماكو ونيامي، مع صعود الأنظمة العسكرية، أضعفت الدور التقليدي للجزائر، وفتحت المجال أمام دخول لاعبين إقليميين ودوليين جدد إلى ساحة التأثير، وفي مقدمتهم المغرب، الذي يتحرك وفق ما تصفه المجلة بـ"مشروع شامل للنفوذ"، يعتمد على الدمج بين الحضور الاقتصادي والتأثير الديني والتعاون الأمني، مع توظيف شبكة علاقات واسعة تمتد من غرب إفريقيا إلى أوروبا.
وتشير "جون أفريك" إلى أن المقاربة المغربية، التي تُعرف في الأوساط التحليلية باسم "الاستراتيجية الأطلسية"، تهدف إلى منح دول الساحل غير الساحلية منفذًا إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، وهي مبادرة أعلن عنها الملك محمد السادس في دجنبر 2023.
وترى المجلة أن هذه الخطة، رغم أنها لا تزال في طور الإعلانات السياسية، تحمل قيمة جيوسياسية مهمة، إذ تمنح المغرب موقعًا محوريًا في ربط هذه الدول بالأسواق العالمية، وتتيح له تقديم نفسه كفاعل رئيسي في تحفيز التنمية الإقليمية.
كما يضيف التقرير أن الرباط ترى في دول تحالف الساحل سوقًا اقتصادية واعدة، وفي الوقت نفسه مدخلًا استراتيجيًا لتقوية حضورها كجسر يربط بين هذا التحالف والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) وأوروبا، حيث أصبح المغرب يعتمد في ذلك على مزيج من الأدوات، بدءًا من الاستثمارات في البنية التحتية والمشاريع التنموية، مرورًا بتعزيز التعاون الأمني والعسكري، وصولًا إلى القوة الناعمة التي يمثلها برنامجه الرائد في تدريب الأئمة والدعاة، والذي يهدف إلى ترسيخ قيم الاعتدال الديني ومواجهة التطرف، ما يساهم في تعزيز صورته كشريك موثوق وقادر على دعم الاستقرار في المنطقة.