البرلمان يدخل على خط جدل مشروع قانون التعليم العالي
دخل البرلمان على خط الجدل والانتقادات التي طالت مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي.
ورغم حجم الانتقادات التي طالته من عدد من الجهات والهيئات، إلا أن حكومة أخنوش قررت عرضه على أنظار المجلس الحكومي بعد غد الخميس 28 غشت الجاري.
وأثار النص موجة انتقادات، أغلبيته اعتبرته "تهديد المكتسبات الجامعة العمومية".
البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، راسلت وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، نبهته إلى أن المشروع يهدد مكتساب الجامعة بشكل خطير.
ولفتت إلى أن صياغة المشروع جرت في غياب إشراك فعلي للأساتذة والطلبة والنقابات، ما يطرح، حسب قولها، "علامات استفهام كبرى حول جدية المقاربة التشاركية" التي يفترض أن تؤطر أي إصلاح جامعي.
وشددت البرلمانية على أن المشروع يتضمن مقتضيات "تمس بجوهر الديمقراطية الجامعية"، من خلال تقليص صلاحيات المجالس المنتخبة داخل الجامعات، وهو ما ترى فيه تراجعا عن المكتسبات الديمقراطية التي راكمتها المؤسسة الجامعية خلال العقود الماضية.
المقاولة والخوصصة
ولفتت التامني إلى أن فلسفة المشروع تنحو نحو "منطق المقاولة بدل تعزيز استقلالية الجامعة"، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى مأسسة انسحاب الدولة تدريجيا من تمويل الجامعات العمومية لفائدة القطاع الخاص، ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص في ولوج التعليم العالي.
واعتبرت التامني أن أخطر ما يتضمنه المشروع هو سحب المادة 72 من القانون 01.00، وهي المادة التي كانت تضمن قانونيا وجود مكاتب ومجالس الطلبة باعتبارها آلية ديمقراطية لتمثيلهم والدفاع عن حقوقهم داخل الحرم الجامعي.
وأوضحت أن المقتضيات الجديدة، خصوصا المادتين 88 و89، لا تسمح إلا بإنشاء أندية ثقافية أو فنية أو رياضية، لكنها تخضع لقيود صارمة تحد من حرية الطلبة في التنظيم، مما يعني في نظرها "إفراغ التمثيلية الطلابية من مضمونها الحقيقي".
استقلالية وتمويل
وطالبت البرلمانية وزير التعليم العالي بتقديم مبررات إقصاء المكونات الجامعية الحقيقية من النقاش حول المشروع، وكذا توضيح الإجراءات التي ستعتمدها الوزارة لضمان احترام استقلالية الجامعة وحماية حقوق الطلبة، إلى جانب الكيفية التي ستؤمن بها تمويلا كافيا للجامعة العمومية، بدل الدفع بها نحو مزيد من الخوصصة.
انتقادات مجتمعية
وقبل دخول البرلمان على الخط، لقي المشروع انتقادات من مختلف الفاعلين السياسيين والأكاديميين، أبرزهم تيار الأساتذة الباحثين التقدميين (النقابة الوطنية للتعليم العالي)، الذي وصف المشروع بأنه "نكسة ديمقراطية وضربة موجعة للجامعة العمومية"، مؤكدا أن النص "يفرغ القانون 01.00، رغم نواقصه، من روحه الإصلاحية" ويحوله إلى "فضاء إداري تابع للوزارة".
واعتبر أن الهياكل المنتخبة مثل المجالس والمؤسسات البحثية ستختزل إلى "أجهزة شكلية بلا صلاحيات"، مقابل منح سلطات واسعة لمجلس الأمناء، الذي اعتبر "مجلس وصاية وتحكم".
وأشار التيار أيضا إلى أن المشروع يمثل "خيانة للجامعة العمومية" ويضعف استقلالية الأستاذ الباحث، في حين يحول الطالب إلى "زبون"، ضمن ما اعتبر محاولة "تسليع التعليم والمعرفة".
ودعا إلى إطلاق "دينامية احتجاجية تصعيدية" تشمل الإضراب الوطني المفتوح، وبناء "جبهة وطنية واسعة" تضم الهيئات النقابية والديمقراطية والحقوقية لمواجهة المشروع.
المجلس الأعلى ينبه
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو هيئة استشارية دستورية، انتقد، في رأي استشاري، المشروع بوصفه يفتقر إلى رؤية واضحة ومعلنة، مع بنية مشتتة وغياب بنية استراتيجية هادفة نحو إصلاح شامل.
وشدد أن المشروع لم يبرز بشكل كاف مهام التعليم العالي الأساسية مثل تطوير المهارات الشخصية للطلبة ونشر المعرفة والتفاعل مع الاقتصاد والمجتمع، معتبرا أن طرحه جاء بشكل شكلي وغير متكامل.
ونبه المجلس إلى غياب تنظيم منهجي واضح في هيكلة النص، حيث أن أجزاءه متداخلة وغير متسقة من الناحية التنظيمية.
تهديد للاستقلالية
النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، بدورها انتقدت النص، إذ عبر حيسان عبد الحق، الكاتب العام للنقابة، عن رفضهم لمشروع القانون، مستنكرا "الإجهاز على تمثيلية الأساتذة الباحثين" ضمن الهياكل الجامعية، ومنح صلاحيات تقريرية لفئات لا علاقة لها بالقطاع تهدد استقلالية التعليم العالي.