ريبورتاج.. سيدي رحال.. حين يختفي الماء على شاطئ البحر
عطلة أسر تتحول إلى مطاردة سراب
في الصباح الباكر، تشرق الشمس على سيدي رحال الشاطئ، فتغمر الشوارع الضيقة بوهجها الذهبي، وتتصاعد رائحة البحر من بعيد.. غير أن شيئا ثقيلا يخيم على الأجواء ويعلو أكثر.. ليس صوت الأمواج ولا صخب الأطفال، بل القلق المائي.
هنا، على بعد خطوات من المحيط الأطلسي، يعيش الناس ما يشبه مفارقة قاسية.. عطش وسط البحر.
الأزقة والمساحات التي كان يفترض أن تعج بالضحك والمرح، امتلأت وطغت عليها صور مختلفة.. نساء يحملن القوارير، رجال يدفعون عربات صغيرة مليئة بدلاء بلاستيكية، وأطفال يتناوبون على خرطوم بلاستيكي مصدره بئر ماؤه شديد الملوحة لقربه من البحر..بل يتسابقون إلى الصهريج المتهالك منذ الساعات الأولى. إنها رحلة يومية للبحث عن الماء، تختزل معاناة آلاف الأسر.
جود البئر
عند مدخل المدينة، في تجزئة "شمس سيدي رحال" لصاحبه المعروف بالمنطقة "الكتاني" للسكن الاقتصادي، تقف (نعيمة. ف) أمام باب شقتها.. عيناها متعبتان من السهر ليلا طلبا للماء، يداها محمرتان من كثرة حملها لقوارير الماء والصعود بها إلى الطابق الثالث للعمارة حيث تسكن.. تروي "للجريدة24" وهي تبتسم بمرارة: "أحيانا لا نرى الماء في "الصنابير المتصلة بالمنزل لثلاثة أيام كاملة بل وأربعة أيام.. وعندما يطلقونه، يأتي في حدود الثالثة صباحا، بضغط ضعيف جدا.. أضطر للبقاء ساهرة من الثالثة فجرا حتى التاسعة صباحا أملأ القوارير والدلاء وحتى أواني الطبخ لي ولضيوفي.. وهو بالكاد يكفي للشرب والطبخ وقليل من غسل الأواني.. تخيل أن كل عطلتك تتحول إلى حراسة ليلية لصنبور ضعيف."
هذا المشهد يتكرر في معظم بيوت التجزئة السكنية.. الأسر تحولت إلى "حراس ماء"، يقتسمون الليل مع الصنابير، في انتظار قطرات قد لا تأتي وعند النهار يناربون على صهريج ماء البئر لاكمال الحاجات من الماء لصبها في المراحيض أو غسل الأواني.
عطلة "الاصطفاف في الطوابير"
في إقامة أخرى قريبة، جلست فتيجة وسط قوارير بلاستيكية ملأى وأخرى فارغة تنتظر دورها.. وحولها أبناؤها يتناوبون على الجري نحو صهريج ماء البئر القريب. بصوت متعب، تقول: "بدلا من الاستمتاع بالعطلة، قضيت أيامي في تجنيد أطفالي لجلب الماء.. البئر نفسه لا يمكن الاعتماد عليه، لأنه يتم إغلاقه أحيانا من طرف حراس الأمن بالتجزئة بدعوى أن مياهه مخصصة فقط لسقي المساحات الخضراء. أي مفارقة هذه؟ المساحات الخضراء تسقى ونحن نموت عطشا".
صورة الأسرة التي تجند أطفالها في "معسكر تعبئة الماء" تختزل التحول العنيف للعطلة الصيفية: من زمن راحة إلى زمن اصطفاف وطوابير، أمام أعين السلطات والمسؤولين وكأنه لا يمهم لا حاجات السكان ولا شعارات ومخططات الممكلة من أجل تشجيع السياحة الداخلية!.
خدعة الكراء
الأزمة لم تقتصر على السكان المحليين.. مصطافون كثر وجدوا أنفسهم في مواجهة مفاجأة غير سارة. أحدهم، مهاجر مغربي جاء من أوروبا، يقول بغضب: "اكريت شقة بمبلغ كبير. لم يخبرني صاحبها أن الماء غير متوفر. قضيت اليومين الأولين أشتري الماء من المتاجر للشرب وغسل الأواني وحتى للمرحاض.. قبل أن اكتشفت أن هناك صهريجا متوسط الحجم يعبأ بين الفينة والأخرى بماء البئر، لكن الوصول إليه يعني ترك الراحة والذهاب إلى البحر مع أبنائي والوقوف في طابور طويل. هذا خداع ونصب!.. بعدما دفعت ثمن الكراء كاملا دون أن أحصل على أبسط خدمة: الماء".
بالنسبة له، التجربة لم تكن مجرد عطلة فاشلة، بل خيانة للثقة. كثيرون ممن عاشوا هذه التجربة، أقسموا أنهم لن يعودوا إلى سيدي رحال مرة أخرى.
الماء "بثمن الذهب"
بينما يلهث الناس وراء الصنابير والصهاريج، ارتفعت أسعار الماء إلى مستويات غير مسبوقة. قنينة الماء المعدني الصغيرة التي تباع عادة بـ5 دراهم، قفز ثمنها في بعض الدكاكين إلى 8 دراهم وأكثر. أما "السطاتير"، شاحنات بيع الماء، فقد أصبحت مصدراً رئيسياً للتزود في مناذق أخرى من المنطقة، لكن بثمن يصل إلى 30 درهما لملء صهريج صغير.
أحد الزبناء، وهو يقف في الطابرور يعلق ساخطا: "الماء أصبح أثمن من الذهب هنا. كيف يعقل أن نؤدي ثمن الكراء الغالي ثم نشتري الماء بثمن مضاعف؟
بيروقراطية ووعود لا تسمن
حاول "الجريدة24" التواصل مع الجهات المسؤولة لمعرفة المشكل والحلول الممكنة. اتصال بمصلحة وأخرى كان شبيهاً بالرحلة التي يخوضها السكان بحثا عن الماء.. حتى تم ربطنا بالشركة المكلفة بالتزويد. هناك، كان الجواب باردا: "الأمر فوق طاقتنا. البنية التحتية لا تسمح بإيصال الماء إلى كل الأحياء. الضغط الصيفي يضاعف الطلب، ونحن نعمل بما هو متوفر".
غير أن هذه التبريرات لما وصلت إلى آذان الساكنة وزوار المنطقة بتجزئة "شمس سيدي رحال" لم تقنعهم بالنظر إلى أنهم يكابدون يوميا من أجل ري ضمئهم، خصوصا وأن الأزمة ليست وليدة هذه السنة وحدها. السكان يرددون في كلمات متداخلة وهو ينتظرون في الطابور أمام صهريج ماء البئر: "نسمع الوعود كل صيف، ونعيش العطش كل صيف. متى تنتهي الحكاية؟"
هشاشة تحت المجهر
المشكلة أبعد من مجرد ضغط موسمي. سيدي رحال، التي عرفت توسعا عمرانيا سريعا خلال العقد الأخير، لم تواكبها استثمارات في البنية التحتية. شبكات الماء ظلت محدودة، بينما تضاعف عدد السكان والمصطافين بشكل يفوق طاقة الشبكة بكثير.
وفق إفادات أحد السكان الاصليين استنادا إلى تواصله السابق مع أحد المسؤولين بالمنطقة أوضح "للجريدة24" أن "الأزمة الحالية نتيجة لغياب رؤية استباقية.. المنطقة تحولت إلى قطب سياحي وسكني دون تعزيز البنيات"، واعتبر أن ما نراه اليوم ليس استثناء بل نتيجة طبيعية لسياسات ترقيعية.
عطلة من التوتر
إلى جانب الجهد والمال، خلفت الأزمة آثارا نفسية واضحة.. الأسر التي قصدت المنطقة من أجل الراحة من تعب سنة في العمل وضغطه، عاشت توترا وقلقا مستمرا.. الأسئلة الذي كانت الساكنة تستهل به يومها هو "هل سيتوفر الماء اليوم؟ وهل ييكفي لما تبقى من اليوم؟ وهل نستطيع الاستحمام أم نكتفي بالضروري؟
أم لأربعة أطفال اختزلت الوضع بقولها: "كل ليلة أطمئن أولادي: غدا سنذهب للبحر باكرا من أجل الاستفادة من الشمس وهدوء البحر. لكنهم يسألونني أولا: هل سنجد ماء لنغتسل بعد العودة؟ تخيل أن هم الطفل في عطلة بحرية هو الاستحمام من رمال وملوحة البحر بعد السباحة لا اللعب!".
السياحة الداخلية في مأزق
في السنوات الأخيرة، دعت الحكومة إلى تشجيع السياحة الداخلية باعتبارها بديلا آمنا ومناسبا.. لكن أزمة سيدي رحال تهدد هذه الثقة. كيف يمكن لمدينة ساحلية تبعد فقط نصف ساعة عن الدار البيضاء، أن تعجز عن توفير الماء لساكنتها وزوارها؟
سكان محليون يحذرون.. "بهذه الطريقة، يتم تدمير السياحة الداخلية. المصطافون الذين جاءوا هذه السنة، لن يعودوا في السنة المقبلة. والسمعة السيئة تنتشر بسرعة."
السيء في الأمر أن الجريدة صادفت سيدة بلجيكية استقرت بنفس التجزئة بعدما رمت بها الأقدار إلى هناك.. قبل أن تج نفسها في طابور طويل لملء بعض القارورات من ماء البئر.. فأي صورة عن المغرب ستحملها هذه الأوربية عن بلد يقال عنه أنه بلد سياحي بامتياز، وفي المقابل لا يضمن مسؤوليه، لكل من يقرر قضاء العطلة به، ماء للشرب والطبخ ولقضاء الحاجات البيولوجية.
أسئلة بلا أجوبة
من يتحمل المسؤولية؟ المكتب الوطني للماء والكهرباء؟ الشركة الجهوية؟ الجماعة الترابية؟ أم السياسات العمومية التي تركت مدنا كاملة رهينة "الحلول الترقيعية"؟
هل كان ممكنا تجنب هذه الأزمة عبر إنشاء محطة تحلية مياه البحر، حتى لو كانت صغيرة الحجم، أو عبر تعزيز الربط بشبكات المدن المجاورة؟
ولماذا يترك المواطن دائما بين الوعود والتبريرات بينما يطرق العطش مختلف مناطق المغرب؟
ومع انقضاء الصيف، يعود كثير من المصطافين إلى مدنهم، تاركين خلفهم ذكريات "عطلة عطشى". أما سكان سيدي رحال، فيملون أن يكون العام المقبل أفضل من المنصرم.