مدونة الشغل ورهان حماية الأجراء.. المادة 272 على طاولة البرلمان
تتصاعد في المغرب وتيرة النقاشات حول ضرورة مراجعة مدونة الشغل، بعد مرور أكثر من عقدين على اعتمادها، وسط دعوات متكررة من النقابات وممثلي الشغيلة لتعديل عدد من بنودها التي يعتبرونها لم تعد قادرة على الاستجابة للتحولات العميقة التي يشهدها سوق العمل الوطني.
هذه المطالب جاءت مدفوعة بارتفاع حوادث الشغل وتزايد الإصابات داخل المقاولات، في وقت تعاني فيه أجهزة التفتيش من محدودية الإمكانيات وعجزها عن مراقبة مختلف القطاعات.
فمنذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004، شكلت المدونة إطاراً متقدماً لتنظيم علاقات الشغل وضمان نوع من التوازن بين حقوق الأجراء ومصالح المشغلين، غير أن مرور أكثر من عشرين سنة كشف عن ثغرات في بعض مقتضياتها، خصوصاً تلك المتعلقة بحماية الأجراء في حالات الغياب الاضطراري أو المرضي.
هذا ما دفع الفريق الاشتراكي بمجلس النواب إلى التقدم بمقترح قانون جديد يرمي إلى تعديل المادة 272 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، وذلك في خطوة وصفها أصحابها بأنها استجابة للتحولات الحقوقية والاجتماعية والدستورية التي عرفها المغرب خلال العقدين الماضيين.
ويقضي المقترح برفع مدة الغياب المسموح بها بسبب المرض من 180 يوماً إلى 270 يوماً متواصلة، مع إمكانية تمديدها إلى سنة كاملة في الحالات المرتبطة بالأمراض المزمنة أو الخطيرة التي تتطلب علاجات طويلة الأمد.
ويشترط المقترح الإدلاء بشهادة طبية صادرة عن السلطات الصحية المختصة، لضمان التوازن بين حماية الأجير والحفاظ على مصالح المقاولات.
ويؤكد الفريق البرلماني أن هذه الخطوة تنسجم مع روح الدستور، لا سيما الفصل 31 الذي ينص على الحق في العلاج والعناية الصحية، والفصل 34 الذي يلزم السلطات العمومية بوضع سياسات تراعي حاجيات الفئات الهشة.
كما يستحضر المقترح التزامات المغرب الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يضمن الحق في العمل ويوفر الحماية من فقدانه لأسباب خارجة عن إرادة العامل.
وفي سياق متصل، كان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، قد شدد في أكثر من مناسبة على أن إصلاح مدونة الشغل يمثل ورشاً مركزياً يندرج ضمن الجولة الأخيرة من الحوار الاجتماعي.
مؤكداً أن المراجعة الشاملة لهذه المدونة ستسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وبناء مجتمع متوازن يضمن حقوق جميع الأطراف.
وأشار الوزير أيضاً إلى أن النسخة الحالية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، سواء من حيث أشكال العمل الجديدة أو تطلعات الأجيال الصاعدة نحو ضمانات اجتماعية أوفر.
وبينما تتباين المواقف بين من يعتبر أن مراجعة مدونة الشغل ضرورة ملحة لحماية الأجراء، وبين من يحذر من تعديلات قد تثقل كاهل المقاولات وتحد من قدرتها التنافسية، يبدو أن الملف بات مطروحاً بإلحاح على طاولة النقاش السياسي والاجتماعي.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بإصلاحات جذرية، تتجه الأنظار إلى البرلمان والحكومة لمعرفة ما إذا كان التوافق ممكناً حول صيغة تضمن العدالة الاجتماعية دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي.