"الموظفون الأشباح”.. هل وضعت حكومة أخنوش حدا لهذه المعضلة؟

الكاتب : انس شريد

26 September 2025 - 08:30
الخط :

تظل معضلة “الموظفين الأشباح” واحدة من أبرز القضايا التي تؤرق الرأي العام المغربي وتثير نقاشا حادا حول جدية الإصلاح الإداري ونجاعة السياسات العمومية.

فهذه الظاهرة التي تعني تقاضي بعض الموظفين رواتب شهرية من المال العام دون قيامهم بواجباتهم المهنية أو حتى حضورهم لمقرات العمل، ما زالت تطفو بين الفينة والأخرى على سطح الجدل العمومي والسياسي، باعتبارها شكلا من أشكال الهدر المالي الذي يضر بصورة الدولة ويضعف ثقة المواطنين في الإدارة.

هذا الملف لم يعد خفيا على المؤسسات التشريعية ولا على المعارضة التي رفعت أكثر من مرة أصواتها داخل البرلمان مطالبة الحكومة بإجراءات ملموسة تضع حدا لهذا التسيب الإداري، معتبرة أن غياب الموظفين عن أداء مهامهم اليومية يضرب في العمق جودة الخدمات العمومية، ويكرس صورة سلبية عن المرافق الإدارية، كما يثقل كاهل الميزانية العامة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى موارد مالية لتمويل المشاريع الاجتماعية والاقتصادية.

في هذا السياق، سلطت المعارضة البرلمانية مرارا الضوء على غياب آليات صارمة لضبط الحضور والغياب، مشددين على ضرورة اعتماد أنظمة حديثة كالبصمة والوسم الإلكتروني وبطاقات الولوج الفردية، بما يضمن الشفافية والانضباط ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي المقابل، أكدت الأغلبية الحكومية مرارا أن من بين أهدافها الرئيسية رفع جودة الإدارات العمومية والقطاعات عبر الحد من ظاهرة الموظفين الأشباح، وذلك من خلال تفعيل آليات "البوانتاج" والمراقبة، معتبرة أن هذه الإجراءات تشكل جزءا من الإصلاحات المهيكلة الهادفة إلى تحديث الإدارة وتقريبها من المواطن.

وتبقى الإشارة قوية إلى أن بعض القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية بدأت بالفعل في اعتماد هذه الأنظمة، غير أن تعميمها ما زال يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة وقرارات أكثر صرامة.

وفي هذا الصدد، شدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في معرض جوابه عن سؤال حول “ضبط حضور ومغادرة الموظفين التابعين لوزارة العدل”، على أن وزارته أطلقت سلسلة من التدابير التقنية والتنظيمية للحد من الظاهرة داخل قطاع العدل.

وأوضح أن هذه التدابير تشمل اعتماد نظام البصمة في الحضور والانصراف داخل الإدارة المركزية، مع السعي إلى تعميمه تدريجيا على باقي المحاكم والمصالح اللاممركزة.

كما كشف عن استخدام برمجيات إلكترونية لإعداد تقارير يومية دقيقة حول حضور وغياب الموظفين، وهو ما يسمح باتخاذ إجراءات قانونية في حق المتغيبين بشكل غير مشروع.

ولم تقف الوزارة عند هذا الحد، بل عملت أيضا على تفعيل بطاقات الولوج الفردية بالنسبة للفئات التي لا يشملها نظام البصمة، فضلا عن الاعتماد على تسجيلات كاميرات المراقبة لإثبات المخالفات.

كما يتم، في حالات استثنائية، حسب الوزير اللجوء إلى لوائح يوقعها الموظفون يدويا تحت إشراف أعوان مكلفين بالمراقبة، وذلك لضمان استمرارية عملية الضبط في حال تعطل الأجهزة الإلكترونية أو ضياع البطاقات.

ويؤكد وهبي أن الهدف من هذه الإجراءات ليس فقط محاربة التغيب غير المشروع عن العمل، بل أيضا ترشيد الزمن الإداري وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، انسجاما مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأبرز أن المورد البشري يظل ركيزة أساسية في إنجاح الإصلاحات التي يعرفها قطاع العدل، سواء على مستوى تعزيز القيم الأخلاقية أو على مستوى عقلنة تدبير الموارد البشرية، وهو ما يتطلب إشاعة ثقافة الانضباط والمثابرة.

ولتأطير هذه الممارسات إداريا، أصدرت وزارة العدل مجموعة من المناشير والدوريات الموجهة إلى المسؤولين الإداريين، تحث على احترام أوقات العمل الرسمية وضمان استمرارية الخدمات والتواصل مع المرتفقين، إلى جانب اعتماد التدبير الإلكتروني للرخص الإدارية وتشديد مراقبة الولوج إلى المرافق.

وتشمل هذه المناشير الصادرة عن وزير العدل، منشور حول تأمين استمرارية وحسن التواصل مع المرتفق تحت عدد 16 س 1/4 بتاريخ 06 أكتوبر 2023، ومنشور حول التدبير الإلكتروني للرخص الإدارية تحت عدد 12 س 1/4 2023 وآخر تحت عدد 13 س 1/4 بتاريخ 26 يونيو 2023.

وبخصوص الدوريات، يضيف المصدر ذاته بوجود دورية وزير العدل حول احترام أوقات العمل الرسمية عدد 22 س 1/4 بتاريخ 29 دجنبر 2023، ودورية أخرى حول مراقبة الولوج بالإدارة المركزية عدد 11 س 1 بتاريخ 26 نونبر 2021، إلى جانب كتاب الكاتب العام للوزارة حول احترام أوقات العمل الرسمية تحت عدد 689/ك ع بتاريخ 25 أبريل 2023.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحا بإلحاح هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستكفي للقضاء على “الموظفين الأشباح” بشكل نهائي، أم أنها ستظل مجرد تدابير قطاعية محدودة التأثير ما لم تُدعم بإرادة سياسية شاملة تشمل جميع القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية.

آخر الأخبار