الذكاء الاصطناعي يفرض واقعه.. بين وعود التنمية وهاجس البطالة في المغرب
يشهد العالم تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية التي جعلت الذكاء الاصطناعي في قلب النقاشات الكبرى حول مستقبل الاقتصاد والمجتمع.
هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد ابتكار عابر، بل أصبحت قوة تدفع نحو إعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية وتغيير أنماط العمل والإنتاج.
وحذرت عدد التقارير الدولية من أن أكثر من 40 في المئة من الوظائف في شمال إفريقيا معرضة للزوال أو لإعادة التشكيل بحلول منتصف القرن، وهو ما يضع المغرب أمام استحقاق كبير يتعلق بمدى جاهزية منظومته الاقتصادية والتعليمية لمواكبة هذا التحول.
وأشارت الدراسة التي نشرها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة حول “سوق الشغل المغربي: بين هشاشة الحاضر وفرص الغد”، بوضوح إلى أن هذه التحولات ستطرح على البلاد تحديات معقدة خلال السنوات المقبلة.
بحسب الدراسة، فإن معدل البطالة الذي بلغ 12.8 في المئة سنة 2025 لا يعكس حقيقة الأزمة، حيث يرتفع إلى 37 في المئة في صفوف الشباب و20 في المئة لدى النساء.
وتوضح أن الأرقام الرسمية تخفي وراءها بطالة مقنّعة ونقص شغل يصل إلى أكثر من 1.25 مليون شخص، إضافة إلى هيمنة القطاع غير المهيكل الذي يشغّل ما يقارب ثلثي اليد العاملة.
في قلب هذه التحديات يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل مضاعف للتغيير، إذ يهدد الوظائف الروتينية والإدارية بالزوال بفعل الأتمتة، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام وظائف جديدة في الأمن السيبراني، تحليل البيانات، التعليم الرقمي، والبرمجة المتقدمة، حسب ما كشفه التقرير.
ووفقا للتقرير ذاته، فإن الفجوة المهاراتية بين ما يتطلبه سوق العمل المستقبلي وما هو متاح في المغرب تبقى العقبة الأكبر، فبدون إصلاح شامل للمنظومة التعليمية وإطلاق برامج لإعادة تأهيل اليد العاملة، سيظل خطر التهميش قائماً.
وأضاف المصدر عينه، أن الذكاء الاصطناعي سيصبح "زميلاً" في العمل، يساعد على زيادة الإنتاجية وتحليل البيانات.
هذا يفرض على العمال، حسب الدراسة، تعلم كيفية التفاعل مع الأنظمة الذكية والاستفادة منها، بدلاً من منافستها.
وخلصت الدراسة إلى أن المغرب يقف أمام منعطف تاريخي، فإما أن يستثمر في الذكاء الاصطناعي ويجعله رافعة لإصلاح سوق الشغل وتطوير الاقتصاد، أو يظل أسيراً لسياسات ظرفية تؤدي إلى تعميق البطالة والهشاشة.
في كلتا الحالتين، يبقى المستقبل رهناً بالقدرة على وضع رؤية وطنية شاملة تستبق التحديات وتضع الإنسان في صميم عملية التحول الرقمي.