بين غضب الشارع ووعود الإصلاح.. هل ينجح وزير الصحة في إعادة الثقة للمستشفيات؟
تشهد مدن مغربية عديدة خلال الأيام الأخيرة دينامية احتجاجية غير مسبوقة، قادها أساسا شباب غاضب من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، في مشهد عكس تزايد منسوب القلق من تردي الخدمات وتفاقم البطالة وارتفاع كلفة المعيشة.
هذه الموجة، التي غطت مدنا كبرى وأخرى متوسطة، حملت معها شعارات قوية تدعو إلى العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتوفير فرص الشغل وتحسين خدمات الصحة والتعليم، لتتحول إلى واجهة جديدة لصوت الشارع الباحث عن التغيير.
اللافت أن هذه الاحتجاجات اعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للتعبئة والتنسيق، بعيدا عن الأطر التقليدية المتمثلة في الأحزاب السياسية أو النقابات أو الجمعيات المدنية، ما اعتبره مراقبون تحولا نوعيا في أساليب التعبير والاحتجاج، حيث برزت دينامية رقمية خلقت شبكة واسعة من التضامن والمشاركة.
غير أن هذا الحراك لم يظل على وتيرة واحدة، إذ سرعان ما تغير مساره في بعض المدن مثل سلا وأيت عميرة والقليعة ووجدة ومراكش، بعدما اندلعت أعمال عنف طالت ممتلكات عامة وخاصة، شملت متاجر كبرى ومؤسسات بنكية وسيارات تابعة للأمن والدرك، ما أثار حالة استنفار أمني وأعاد النقاش حول حدود الاحتجاج السلمي وأخلاقياته.
ورغم هذه الانزلاقات، ظل جزء واسع من المحتجين متمسكا بالسلمية، مؤكدا أن التخريب يسيء إلى المطالب الاجتماعية ويضعف مشروعيتها. وقد عبر العديد من المواطنين عن قلقهم من انزلاق فئة محدودة نحو العنف، معتبرين أن مثل هذه السلوكات تشوش على جوهر الاحتجاج وتفقده التعاطف الشعبي الذي حظي به منذ انطلاقه.
في موازاة ذلك، وجد ملف الصحة نفسه في صلب النقاش العمومي، بعدما خرج وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بتصريحات مطولة خلال اجتماع برلماني دام قرابة عشر ساعات، أعلن فيها عن توجه جديد لوزارته يقوم على الانفتاح والإنصات بدل الاكتفاء بالدفاع عن حصيلة السنوات الماضية.
واستعرض في هذا السياق ما وصفه بأنه "أكبر ورش صحي في تاريخ المملكة"، يتمثل في تشييد سبعة مراكز استشفائية جامعية كبرى بطاقة استيعابية تفوق 3.500 سرير، موزعة على طنجة وأكادير والعيون والرباط وكلميم والراشيدية وبني ملال، مع برمجة آجال افتتاحها بين سنتي 2025 و2027.
وأشار الوزير أيضا إلى برنامج طموح لتأهيل 1.400 مركز صحي أولي يغطي 76 إقليما، موضحا أن 945 مركزا بات جاهزا و405 في طور الإنجاز و50 في مرحلة الدراسات.
واعتبر أن هذه المشاريع ستسهم في تقليص الفوارق المجالية وتخفيف الضغط عن كبريات المدن مثل الدار البيضاء والرباط، مبرزا أن "المستوصَفات القروية التي كانت في وضعية مزرية تحولت إلى فضاءات لائقة تقدم خدمات أساسية وتجهيزات حديثة".
وأكد التهراوي أن الإصلاح الجاري يستند إلى أربعة محاور رئيسية تشمل البنيات التحتية، والموارد البشرية، والحكامة، والرقمنة، مبرزا أن هذه الركائز تشكل خريطة طريق واضحة نحو بناء منظومة صحية أكثر عدلا وفعالية.
الوزير اعترف بوضوح بأن عددا من المشاهد المتداولة عن معاناة المرضى داخل المستشفيات “لا تليق بكرامة المواطن”، مؤكدا التزامه الشخصي بتحسين الوضع وإعادة الثقة في المنظومة الصحية.
وقد كشف التهراوي عن سلسلة من الإجراءات الإصلاحية، أبرزها فتح حوار شامل مع الفاعلين في قطاع الأدوية من منتجين ومستوردين وصيادلة، لأول مرة منذ عام 2013، بهدف خفض الأسعار وضمان الشفافية.
كما شدد على ضرورة إصلاح نظام الحكامة داخل المستشفيات، وتمكين مديريها من صلاحيات أوسع لتحسين جودة الخدمات، مع الإقرار بوجود مشاكل حقيقية مرتبطة بالتغيب واختيار بعض الأطباء الجمع بين القطاعين العام والخاص بشكل يضر بالمرفق العمومي.
وفي ما يتعلق بالسيادة الصحية، أعلن الوزير عن تحويل معهد باستور إلى مؤسسة موجهة أساسا للبحث العلمي والتصنيع المحلي للقاحات، مشيرا إلى أن ميزانية اللقاحات ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ومن المرتقب أن تصل إلى 1.4 مليار درهم في أفق عامين، في خطوة تهدف إلى تقوية قدرات المغرب في مواجهة التحديات الصحية.
أما على مستوى الموارد البشرية، فقد أقر التهراوي بوجود خصاص حاد رغم التوظيفات الأخيرة التي شملت حوالي 1200 طبيب ومهني صحة بين 2022 و2025.
واعتبر أن الحل يكمن في تفعيل نظام “الأجر المتغير” الذي جاء به قانون الوظيفة الصحية، والقائم على ربط جزء إضافي من الراتب بحجم الخدمات المقدمة، ما سيمكن من تقليص الفوارق بين القطاعين العام والخاص وتحفيز الأطباء على الالتزام بالعمل داخل المستشفيات العمومية.
غير أن الوزير لم يُخف وجود عوائق تقنية وتنظيمية تحول دون التطبيق السريع لهذا النظام، من بينها قصور الأنظمة المعلوماتية الحالية وعدم تحيين المصنف العام للخدمات الطبية، إضافة إلى الحاجة إلى مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية.
ورغم ذلك، أكد أن هذا الإصلاح، إذا ما تم تنزيله بشكل متدرج، سيشكل نقطة تحول في علاقة المواطن بالمنظومة الصحية، وسيعيد جزءا كبيرا من الثقة المفقودة.
وبين مشهد احتجاجات الشارع المتصاعد، وما تلاه من تصريحات حكومية ووعود بالإصلاح، يتضح أن المغرب يعيش لحظة فارقة تجمع بين ضغط اجتماعي متنامٍ ورغبة رسمية في احتواء الأزمة عبر استحضار خطاب الإصلاح والانفتاح.
غير أن التحدي الأكبر يظل في قدرة السياسات العمومية على الانتقال من مستوى الوعود والتشخيص إلى مستوى الإنجاز والتنفيذ الملموس، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين ويعيد رسم العلاقة بينهم وبين الدولة على أسس جديدة من الثقة والعدالة الاجتماعية.