بين مطالب "جيل Z" وفتن الأعداء.. لا لسرقة الإصلاح ومسخه إلى خراب
سمير الحيفوفي
بداية لننطلق مما أصبح مسلَّمة.. لقد أثبت شباب "جيل Z"، المطالب بالحق في تعليم أفضل، بصحة عمومية لائقة، وبمكافحة الفساد أنه استطاع إيصال الرسالة، والتفاعل معها يستوجب إنصات الحكومة والعمل على تنزيلها على أرض الواقع، لكن ما شهده المغاربة، لاحقا، في حق ممتلكاتهم العمومية والخاصة، يفرض وقفة، فهذه الانزلاقات لا تخدم صوت المطالب المشروعة، بقدر ما تغذي أجندات خارجية وداخلية تريد تحويل الغضب إلى فوضى تخلع عن المطالب شرعيتها.
وما شهدته بعض المدن المغربية، من تجاوز منطق الاحتجاج السلمي إلى مشاهد مؤسفة توضَّع فيها العنف وسادت فيها الفوضى ورفع التخريب، لواءه، ليفتح الأعين مشرعة على الأخطار التي تحذق بالوطن وتفخخ المشهد، وتلفت الانتباه إلى أن أعداءه يعتريهم الحبور بهكذا وقائع لا تسر الغيورين على بلادهم.
وإذ لم يعد فضاء الإنترنت مجرد متنفس تعبيري، فإن الإشاعات لم تنفك عن التناسل ولم تخمد الدعوات التحريضية، فهناك في غرف النقاش المشفر وفي الزوايا المظلمة للشبكة العنكبوتية، تروج تسجيلات وأدلة عن دعوات إلى "اقتحام السجون" و"تحرير السجناء" بما يفيد أن المحرضين وجدوا في "Discord" مرتعا لهم لاصطياد المغرر بهم ليسوقوهم سوقا إلى ما يخلع السلمية عن احتجاجاتهم.
ولا ريب أن ما يروج في "Discord" من دعوات تحريضية تنسجم مع الدعوات التي أطلقها أعداء الوطن لإشعاله وجعله خرابا وأنقاضا، كما قام بذلك المدعو "عبد القادر بن قرينة" الجزائر المغلول بحب الـ"كابرانات" والأحقاد تجاه المملكة، وقد دعا صراحة وبملء فيه المحتجين إلى محاصرة مؤسسات سيادية في المغرب، بما ينم عن أن من لا يريدون خيرا بالبلاد والعباد يعبثون ولا يبالون وهناك من يأتمر بدعواتهم الخبيثة، التي جاءت ردا على جار بادر جارته بيده الممدودة.
وبتمحيص ما جرى من وقائع وأحداث منذ خروج "جيل Z" إلى الشارع، وكيف تحول مسار الاحتجاج السلمي إلى تدمير وحرق ونهب واستهداف لمقرات القوات العمومية، يتبدى أن الإحاطة بحجم الأخطار المتربصة بالوطن، تتعدى كونها محاولة كسب نقاش أو بسط الهيمنة في مطارحة الآراء والأفكار، بقدر ما أصبح هذا الأمر يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار وطن يستعد لاحتضان فعاليات قارية ودولية، يحسدها عليها الحاسدون الذين ينبتون كالفطر.
وما كشفته مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي عن الوجه الخفي للأحداث، يكشف بلا جدال أن هناك عناصر مندسة تسللت بين المحتجين، متنكرة في هيئة مغاربة، لتأجيج التوتر وتحريض الشباب على العنف في مواجهة القوات العمومية، ففي أحد تظهر شابة جزائرية تتقمص بمهارة مظهر سيدة مغربية، وتحاول بوعي واضح جذب عدسات الكاميرات لتصوير مشاهد مفبركة، هدفها تقديم صورة مضللة لما يجري في الميدان.
واعتبارا لما قامت به هذه المندسة وغيرها من المظاهر الأليمة، فإن المزاعم التي حاول البعض ترويجها عن "عفوية" بعض مظاهر الفوضى، تنسف بالمرة، وتحيل على تكتيك معروف في "حروب الإعلام الرمادية"، حيث يصبح الميدان أداة لتأليف المشهد، لا لنقل الحقيقة، وبما يقعد أن المغرب يواجه حربا ناعمة مزدوجة، قوامها بث الإشاعات التي تنتجها المنصات المعادية وتستهدف مؤسساته، وميدانيا عبر محاولات زرع الفوضى ممن خلال عناصر تخدم أجندات معادية.
إن المطلوب والملح اليوم هو التمييز بين الاحتجاج المشروع الذي يعبر عن انشغالات المواطنين في إطار القانون، وبين الانزلاقات الممنهجة التي تروم تحويل الغضب الشعبي إلى فوضى عارمة، وكما أن حب الوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء، فإنه لا يتخطى الحدود إلى إحراقه كلما اشتدت الأزمة، فيا أيها المغاربة لا تتركوا الحبل على الغارب ولا تسمحوا للأعداء بسرقة خيار الإصلاح ومسخه إلى خراب.