من شراء الأصوات إلى التهديد والترهيب.. المغرب ورهان تخليق الممارسة الانتخابية

الكاتب : انس شريد

25 October 2025 - 06:30
الخط :

يدخل المغرب مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة سنة 2026، وهي محطة مفصلية في مسار الإصلاح الديمقراطي الذي تعرفه البلاد منذ سنوات، في ظل تزايد الوعي الجماعي بأهمية تجديد النخب السياسية، وتعزيز مشاركة فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب والنساء، في تدبير الشأن العام.

هذا التحول يأتي متزامنًا مع الدعوات المتكررة التي وجهها الملك محمد السادس إلى الأحزاب والفاعلين السياسيين من أجل تخليق الحياة السياسية، وضمان نزاهة العمليات الانتخابية، باعتبارها ركيزة أساسية لترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

ويسعى المغرب، من خلال مراجعة الترسانة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، إلى القطع مع كل الممارسات السلبية التي شوّهت في الماضي بعض الاستحقاقات، وعلى رأسها ظاهرة الفساد الانتخابي، التي اتخذت أشكالًا متعددة من شراء الذمم واستغلال النفوذ إلى التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.

ولتحقيق ذلك، تم تقديم بمجلس النواب يوم أمس الجمعة مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والذي حمل جملة من المقتضيات الجديدة الرامية إلى تشديد العقوبات ضد كل المخالفات المرتبطة بسير العملية الانتخابية.

ويعكس هذا المشروع رغبة واضحة في إرساء منافسة سياسية نزيهة ومتكافئة، إذ تم تشديد العقوبات المترتبة على استعمال العنف أو المال أو الضغط للتأثير على إرادة الناخبين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما أدرج المشرّع ضمن المخالفات كل الأفعال التي تمس بحرية التصويت أو تُخلّ بمبدأ المساواة بين المترشحين، وهو ما يشكل رسالة صريحة مفادها أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة في إدارة الاستحقاقات الانتخابية قوامها الصرامة القانونية والشفافية.

وفي سياق موازٍ، تمت إحالة مشروع قانون آخر يقضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، والذي تضمّن مقتضيات تفصيلية تخص تحديد الفئات التي تُمنع من القيد في اللوائح الانتخابية، وبالتالي من ممارسة حق التصويت أو الترشح.

فقد نصت المادة السابعة من المشروع على مجموعة من الجرائم والمخالفات التي تحرم مرتكبيها من المشاركة في الانتخابات، في خطوة تروم تطهير الجسم الانتخابي من كل من ثبت تورطه في أفعال تمس بالنزاهة أو الشرف أو الأمانة العامة.

وتشمل الحالات الموجبة للمنع كل من صدر في حقه حكم بعقوبة حبسية نافذة كيفما كانت مدتها، أو بعقوبة موقوفة التنفيذ تتجاوز ثلاثة أشهر، أو غرامة مالية ناتجة عن جناية أو جنحة تمس بالثقة العامة.

واعتبر المشرّع أن الجرائم التي تخل بالأمانة، مثل السرقة والنصب وخيانة الأمانة، كافية لإسقاط الأهلية الانتخابية.

وفي ما يتعلق بالفساد الانتخابي، فقد جاء المشروع بتفصيل دقيق لمختلف الأفعال التي تندرج ضمنه، محددًا إياها في بيع وشراء الأصوات ومحاولة التأثير على إرادة الناخبين عبر الهدايا أو التبرعات النقدية أو العينية أو الوعود بالمناصب أو المنافع الخاصة.

كما شدد على منع تقديم أي هبات أو وعود بها خلال الحملة الانتخابية لفائدة جماعات ترابية أو مجموعات من المواطنين بقصد التأثير على التصويت، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

وتمتد العقوبات لتشمل كل من يستعمل العنف أو التهديد أو الترهيب أو يخوّف الناخبين من فقدان وظائفهم أو التعرض للضرر الشخصي أو الأسري أو المادي بغرض دفعهم إلى التصويت لمرشح معين أو الامتناع عن التصويت.

ويعاقب القانون أيضًا من يقبل أو يلتمس تلك الهدايا أو يتوسط لتقديمها أو المشاركة في أي عمل يروم التأثير على تصويت الناخبين، في مسعى واضح لإغلاق كل المنافذ أمام الفساد الانتخابي بمختلف صوره.

وحدد المشروع عقوبات تتراوح بين سنتين وخمس سنوات سجنا نافذا، وغرامات مالية بين خمسين ألفًا ومائة ألف درهم، لكل من ثبت تورطه في محاولات شراء الأصوات أو الضغط على الناخبين أو استعمال وسائل غير مشروعة للتأثير في نتائج التصويت.

ويبدو من خلال هذه المقتضيات أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة في تنظيم العملية الانتخابية، مرحلة تقوم على الشفافية والصرامة القانونية، وتستهدف بالأساس ترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة.

وفي نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي لا يقتصر على تعديل القوانين، بل يتعداه إلى تغيير الثقافة السياسية السائدة وإعادة بناء العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع على أساس المشاركة الواعية والمسؤولة.

آخر الأخبار