شرط دراسي بأثر رجعي يهدد استقرار مئات حراس الأمن بالمستشفيات العمومية - الجريدة 24

شرط دراسي بأثر رجعي يهدد استقرار مئات حراس الأمن بالمستشفيات العمومية

الكاتب : انس شريد

18 January 2026 - 09:30
الخط :

في خطوة فجرت موجة واسعة من الجدل والغضب داخل أوساط العاملين بقطاع الحراسة الخاصة بالمؤسسات الاستشفائية العمومية، وجد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، محمد أمين التهراوي، نفسه في قلب عاصفة اجتماعية ونقابية غير مسبوقة، عقب اعتماد شرط التوفر على مستوى “السابع إعدادي” كمعيار أساسي للاستمرار في مزاولة العمل داخل هذا القطاع، مع تطبيقه بأثر رجعي، وهو ما اعتبرته الهيئات النقابية مساسا خطيرًا بحقوق مكتسبة وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي لمئات الأسر.

القرار، الذي نزل كالصاعقة على شغيلة الحراسة الخاصة، فتح الباب أمام حالة من الاحتقان المتصاعد، خصوصًا في صفوف الأعوان الذين راكموا سنوات طويلة من الخدمة داخل المستشفيات العمومية، بعضهم تجاوز عقدًا من الزمن وهو يشتغل في ظروف صعبة، بأجور محدودة، وفي غياب شبه تام للأمن الوظيفي.

هؤلاء وجدوا أنفسهم فجأة مهددين بالإقصاء من مناصبهم، لا لسبب مهني أو تقصير وظيفي، بل بسبب شرط دراسي لم يكن معمولًا به عند ولوجهم القطاع.

وسارعت الهيئات النقابية، وفي مقدمتها النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، إلى التعبير عن رفضها القاطع لهذا القرار، واصفة إياه بـ”المجحف” و”غير العادل”، بالنظر إلى ما يحمله من تبعات اجتماعية قاسية.

واعتبرت أن اعتماد شرط دراسي بأثر رجعي يتنافى مع أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية والأمن القانوني، ويضرب في العمق الاستقرار المهني لفئة تعيش أصلًا على هامش الحماية الاجتماعية.

وطالبت النقابات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالتراجع الفوري عن تطبيق هذا القرار بصيغته الحالية، مع ضرورة استثناء الأعوان المزاولين حاليًا، وحماية حقوقهم المكتسبة، معتبرة أن أي إصلاح للقطاع يجب أن يتم بشكل تدريجي وتشاركي، يراعي واقع الشغيلة وظروفها الاجتماعية، بدل اللجوء إلى قرارات فجائية ذات طابع إقصائي.

ولم يبقَ هذا الجدل حبيس الأوساط النقابية، بل انتقل إلى قبة البرلمان، حيث وجّهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالًا كتابيًا إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، محذّرة من التداعيات الخطيرة لهذا القرار على الاستقرار الاجتماعي والمهني، خاصة في الجهة الشرقية ومناطق أخرى تعاني أصلًا من الهشاشة وارتفاع معدلات البطالة.

وفي مراسلتها، أكدت النائبة البرلمانية أن الرأي العام المهني فوجئ بقرار الوزارة القاضي باعتماد شرط السابع إعدادي كمعيار للاستمرار في العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص بالمؤسسات الاستشفائية العمومية، مشيرة إلى أن هذا الإجراء ترتب عنه تشريد عشرات الأعوان، من بينهم من قضى أزيد من 10 أو 15 سنة داخل المستشفيات العمومية، في ظروف عمل قاسية وبأجور هزيلة، دون أي ضمانات حقيقية للاستقرار المهني.

وشددت التامني في معرض سؤالها على أن الإصلاح، مهما كانت مبرراته، لا يمكن أن يتم على حساب الحقوق المكتسبة، معتبرة أن تطبيق هذا الشرط بأثر رجعي يشكل مساسًا خطيرًا بمبدأ الأمن القانوني والاجتماعي، وضربًا واضحًا لقيم العدالة الاجتماعية، خاصة في مناطق تعاني من هشاشة اقتصادية واجتماعية بنيوية.

 

كما تساءلت عن الأسس القانونية والاجتماعية التي اعتمدتها الوزارة لاتخاذ هذا القرار، وعن التدابير العاجلة التي تعتزم اتخاذها لوقف تشريد حراس الأمن الخاص، وضمان عدم تنزيل هذا الشرط بشكل رجعي.

ويأتي هذا الجدل في سياق عام يتسم بهشاشة بنيوية تطبع قطاع الحراسة الخاصة، الذي يُعد من القطاعات الحيوية التي تقوم عليها استمرارية المرافق العمومية والخاصة، بالنظر إلى الدور الأساسي الذي يضطلع به العاملون فيه في تأمين المؤسسات وضمان سلامة المرتفقين.

ورغم هذه الأهمية، لا تزال أوضاع هذه الفئة المهنية بعيدة عن الحد الأدنى من شروط العمل اللائق.

وعلى امتداد سنوات، ظل أعوان الحراسة الخاصة يشتكون من اختلالات مزمنة، تتجلى أساسًا في عدم احترام دفاتر التحملات من طرف عدد من الشركات المتعاقدة، وتأخر صرف الأجور لأشهر في بعض الحالات، وحرمانهم من التعويض عن الساعات الإضافية، فضلًا عن غياب التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يحرمهم من التغطية الصحية ومن حقوقهم في التقاعد.

كما أفضت هذه الممارسات إلى تعميق هشاشة اجتماعية خانقة، في صفوف فئة تعتمد في الغالب على هذا العمل كمصدر رزق وحيد لإعالة أسرها. وتزداد معاناة الأعوان مع لجوء بعض المؤسسات إلى إنهاء عقود العمل بطرق تعسفية، دون احترام المساطر القانونية أو تمكين الأجراء من حقوقهم الأساسية، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع البطالة والفقر.

وتشير معطيات نقابية إلى أن عددًا كبيرًا من أعوان الحراسة الخاصة يشتغلون لما يقارب 12 ساعة يوميًا، مقابل أجور لا ترقى إلى الحد الأدنى القانوني، في خرق صريح لمقتضيات مدونة الشغل، وهو ما جعل هذا القطاع بؤرة دائمة للتوترات الاجتماعية والاحتجاجات.

وأمام هذا الوضع، كثّفت النقابات المهنية تحركاتها للمطالبة بإصلاحات جذرية، كان من أبرزها إطلاق حملة “الشارة الحمراء”، التي عبّرت من خلالها عن رفض الساعات المفرطة وعدم احترام الحد الأدنى للأجور، داعية إلى تدخل حكومي عاجل لوضع حد لهذه الاختلالات وإنصاف الشغيلة.

وفي هذا الإطار، سبق للكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة، لبنى نجيب، أن تحدثت عن قرب انفراج في عدد من الملفات العالقة، خاصة ما يتعلق بساعات العمل والحد الأدنى للأجور.

وأوضحت، في تدوينة لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنها عقدت لقاءً مع وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، الذي طمأنها بشأن مآل هذا الملف.

وحسب المصدر ذاته، أكد الوزير أن الإشكالات المرتبطة بالساعات المفرطة وعدم احترام الحد الأدنى للأجور سيتم الحسم فيها خلال شهر يناير من سنة 2026، في أفق إرساء إطار أكثر إنصافًا ينظم العلاقة الشغلية داخل القطاع. كما أُعلن عن توجيه دعوة رسمية للنقابة الوطنية لعقد اجتماع مع مختلف المتدخلين، قصد بحث سبل تنزيل حلول عملية ومستدامة.

غير أن قرار شرط “السابع إعدادي” أعاد خلط الأوراق، وطرح علامات استفهام كبرى حول مدى انسجام السياسات العمومية المتبعة مع شعارات العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الهشة.

آخر الأخبار