أزمة النقل العشوائي تشعل النقاش مجددا.. وقيوح يرمي بملف التنظيم إلى الداخلية
لا تزال إشكالية النقل غير المهيكل في القرى والمناطق الجبلية تفرض نفسها بقوة على أجندة النقاش العمومي، في ظل تزايد معاناة الساكنة مع صعوبة التنقل، خاصة خلال فترات التساقطات المطرية والثلجية، وهو ما أعاد الملف إلى الواجهة داخل المؤسسة التشريعية، كاشفا عن تداخل الاختصاصات وتباين المقاربات بين القطاعات الحكومية المعنية.
وفي هذا السياق، وجه الفريق الحركي بمجلس المستشارين، خلال الجلسة الأسبوعية المنعقدة اليوم الثلاثاء، سؤالاً شفهياً إلى وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، حول التدابير المتخذة لتنظيم النقل غير المهيكل في المناطق القروية والجبلية، بالنظر إلى ما يشكله من مخاطر يومية على سلامة المواطنين، وما يطرحه من إشكالات اجتماعية وتنموية مزمنة.
وأكد المستشار البرلماني عبد الرحمان الدريسي، في تعقيبه، أن التساقطات المطرية والثلجية التي يعرفها المغرب طالت مختلف جهات المملكة، بما فيها القرى والمناطق الجبلية التي تعتمد بشكل شبه كلي على وسائل نقل غير مهيكلة، ما يؤدي إلى عزلة عدد من الدواوير، ويحد من قدرة السكان على الوصول إلى الأسواق، والمرافق الصحية، والإدارية، والجماعات القروية، في ظل غياب بدائل نقل منظمة وفعالة.
وشدد الدريسي على أن إشكالية النقل في هذه المناطق لا يمكن تحميلها للساكنة، معتبراً أنها مسؤولية مباشرة للقطاعات الوصية، داعياً إلى الانتقال من تشخيص الوضع إلى اقتراح حلول عملية ومبتكرة تستجيب لخصوصيات المجال القروي والجَبَلي، بدل الاقتصار على إبراز المنجزات الكبرى التي تحققت في مجال النقل الحضري داخل المدن الكبرى.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب، الذي يعتز بمشاريعه الاستراتيجية في مجال البنية التحتية، من قبيل القطارات فائقة السرعة وتطوير شبكات النقل الحضري، فضلاً عن نجاحه في تنظيم تظاهرات قارية كبرى، مدعو في الآن ذاته إلى إيلاء العناية اللازمة للنقل القروي والنقل المزدوج، عبر تأهيله، ودعم مهنييه، وتكييفه مع حاجيات الساكنة المحلية، خاصة في المناطق التي تعرف عزلة قاسية خلال فترات الثلوج، حيث تنقطع السبل، ويصعب الوصول إلى عدد من الدواوير.
واعتبر المستشار الحركي أن ما وصفه بظاهرة “الخطافة”، في إشارة إلى النقل العشوائي، بات يشكل خياراً اضطرارياً لآلاف المواطنين في العالم القروي، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر قانونية وسلامة، وهو ما يستدعي، حسب رأيه، تدخلاً استعجالياً من الجهات المختصة لتأمين نقل منظم وآمن، لا سيما في حالات الطوارئ المرتبطة بالظروف المناخية القاسية.
وتأتي هذه المداخلات في سياق يتسم بتزايد تأثيرات التغيرات المناخية، وما تفرضه من تحديات إضافية على المناطق الجبلية، الأمر الذي يفرض، بحسب عدد من المتتبعين، إعادة النظر في سياسات النقل القروي، وتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يضمن الحد الأدنى من الربط الترابي واستمرارية المرافق الحيوية لفائدة الساكنة.
في المقابل، أوضح وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، في جوابه على السؤال البرلماني، أن معالجة ملف النقل في العالم القروي والمناطق الجبلية تقتضي التمييز بين نوعين مختلفين من النقل، يتعلق الأول بالنقل القروي، والثاني بالنقل الجبلي، مشيراً إلى أن لكل منهما خصوصياته وإكراهاته التنظيمية.
وأكد قيوح أن النقل القروي يؤمن، بشكل يومي، تنقل مئات الآلاف من المواطنين عبر مختلف أقاليم المملكة، مضيفاً أن وزارته بصدد إنجاز دراسة شاملة، بتنسيق مع وزارة الداخلية والجهات، تروم تحليل ما وصفه بـ“أحواض التنقل”، من أجل تحديد حاجيات كل إقليم وجهة من هذا النوع من النقل، وضمان التقائية أفضل مع باقي أنماط النقل المعتمدة.
وفي هذا الإطار، أشار وزير النقل إلى أن الاختصاص المتعلق بمنح رخص النقل في العالم القروي يعود أساساً إلى وزارة الداخلية، التي تضطلع بهذه المهمة عبر عمال الأقاليم من خلال اللجان الإقليمية للنقل، موضحاً أن دور وزارة النقل يأتي في مرحلة لاحقة، حيث يتقدم السائقون الحاصلون على هذه الرخص بطلبات للحصول على التراخيص التقنية، والتي لا تتجاوز، بحسب قوله، مدة 15 يوما.
وبهذا الطرح، بدا أن الوزير يرمي بجزء أساسي من مسؤولية هيكلة النقل القروي والجبلي إلى وزارة الداخلية، في وقت يرى فيه متابعون أن تداخل الاختصاصات بين القطاعات الحكومية يظل أحد أبرز العوائق أمام إيجاد حلول ناجعة لهذا الملف، الذي يمس بشكل مباشر حق فئات واسعة من المواطنين في التنقل الآمن والمتكافئ.
ويبقى ملف النقل غير المهيكل في القرى والمناطق الجبلية اختباراً حقيقياً لنجاعة السياسات العمومية في تحقيق العدالة المجالية، إذ تتطلع الساكنة إلى إجراءات ملموسة تتجاوز النقاشات المؤسساتية، وتفضي إلى حلول عملية تضمن الكرامة والسلامة، وتفك العزلة عن مناطق لا تزال تعيش على هامش مشاريع التحديث الكبرى.