غياب واسع للمنتخبين يربك اجتماعات حاسمة لتدبير ملفات حيوية بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

23 يناير 2026 - 10:30
الخط :

عاد الجدل بشأن نجاعة تدبير الحضور والانضباط داخل جماعة الدار البيضاء إلى الواجهة، بعد أن كشف اجتماع تشاوري خُصص لمناقشة مشروع دفتر التحملات الجديد لقطاع النظافة عن استمرار ظاهرة الغياب في صفوف عدد كبير من أعضاء المجلس، رغم اعتماد أنظمة رقمية حديثة لتتبع الحضور في عدد من المصالح الجماعية.

هذا المعطى أعاد طرح تساؤلات حول حدود الإصلاح الإداري حين يصطدم بسلوكيات تدبيرية وانتدابية لا تنسجم دائمًا مع حجم التحديات المطروحة على أكبر جماعة ترابية في المملكة.

وشهد مقر جماعة الدار البيضاء، خلال اجتماع تشاوري عُقد أمس، حضورًا وُصف بالضعيف، إذ لم يتجاوز عدد المشاركين نحو أربعين عضوًا فقط، في وقت تخلف فيه ما يقارب 90 عضوا عن الموعد، رغم توصلهم بدعوات رسمية مسبقة.

وكان الاجتماع مخصصًا للتداول في مشروع دفتر التحملات المرتبط بتدبير قطاع النظافة وجمع النفايات المنزلية والمشابهة، وهو قطاع يُعد من بين أكثر المرافق كلفة وحساسية، نظرًا لارتباطه المباشر بجودة العيش والصحة العامة وصورة المدينة.

الغياب لم يقتصر، وفقا لما توصلت به الجريدة 24، على الأعضاء العاديين، بل شمل كذلك بعض نواب العمدة وعددًا من رؤساء المقاطعات ونوابهم، ما أضفى على المشهد طابعًا مقلقًا، بالنظر إلى أهمية النقاط المدرجة في جدول الأعمال.

ويُعد دفتر التحملات الجديد وثيقة محورية تحدد الإطار التقني والمالي والتدبيري لعقود النظافة، في قطاع يستنزف اعتمادات مالية ضخمة سنويًا، ما يجعل من النقاش بشأنه لحظة مفصلية في مسار الحكامة المحلية.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع تعرفه جهة الدار البيضاء–سطات، يتمثل في توجه متزايد نحو اعتماد أنظمة رقمية حديثة في تدبير الموارد البشرية، من أبرزها نظام البطاقات الإلكترونية لتسجيل الحضور والانصراف.

ويهدف هذا النظام، بحسب مصادر الجريدة 24، إلى ضبط أوقات العمل، وتوفير معطيات دقيقة حول الزمن الفعلي للخدمة، والحد من ظواهر الغياب غير المبرر وما يُعرف بالموظفين الأشباح، التي لطالما شكلت محور انتقادات بشأن مردودية الإدارة العمومية.

وتبرز جماعة الدار البيضاء ومقاطعاتها 16 في صلب هذا الورش، باعتبارها أكبر جماعة من حيث عدد الموظفين وحجم المرافق العمومية.

وفي هذا الإطار، صدرت تعليمات لاعتماد نموذج موحد لكشوفات الحضور والغياب، مع التأكيد على إلزامية إثبات التواجد اليومي للموظفين والأعوان، في خطوة تروم توحيد المساطر الإدارية وتعزيز مبدأ المساواة في تطبيق القواعد التنظيمية داخل مختلف المصالح.

غير أن المفارقة التي يسلط عليها متتبعون الضوء تتمثل في أن مساعي ضبط حضور الموظفين عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة تتزامن مع استمرار غياب ملحوظ في بعض المحطات التقريرية لدى المنتخبين، وهو ما يثير نقاشًا حول شمولية مقاربة الانضباط الإداري، ومدى امتدادها إلى مختلف مستويات المسؤولية داخل الجماعة، سواء الإدارية أو الانتدابية.

وفي موازاة ذلك، لم يمر اعتماد نظام البطاقات الإلكترونية دون إثارة ردود فعل نقابية.

فقد عبّر المكتب النقابي لموظفي جماعة الدار البيضاء والمقاطعات التابعة لها، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن استنكاره لتفعيل هذا النظام دون احترام، بحسب تعبيره، للمساطر القانونية والتنظيمية، ودون إشراك الفرقاء الاجتماعيين في بلورة القرار.

واعتبر المكتب النقابي، في بيان، أن غياب الحوار المسبق من شأنه أن يخلق توترًا داخل المرفق الجماعي ويمس بجو الثقة المفترض بين الإدارة والموظفين، خاصة في ملفات ترتبط بحقوق وواجبات الشغيلة.

وفي المقابل، أكد الموقف النقابي أنه لا يعارض مبدأ تحديث الإدارة أو اللجوء إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة، بل يعتبرها خطوة إيجابية إذا ما تم اعتمادها في إطار يحترم كرامة الموظف وحقوقه، ويضمن حماية المعطيات الشخصية وسلامة العاملين، انسجامًا مع التشريعات الجاري بها العمل. كما طالب بتوقيف الإجراءات المرتبطة بالنظام الجديد إلى حين استكمال الشروط التنظيمية، وتحسين ظروف العمل وتوفير متطلبات مرافقة.

ويعيد هذا المشهد المركب إلى الواجهة إشكالية التوازن بين متطلبات تحديث الإدارة وتعزيز نجاعتها من جهة، وضمان احترام الحقوق المكتسبة والحفاظ على السلم الاجتماعي من جهة أخرى، في ظل تحولات رقمية متسارعة وتطلعات متزايدة لدى المواطنين إلى خدمات عمومية أكثر جودة وفعالية.

كما يسلط الضوء على الرهان المتعلق بترسيخ ثقافة الحضور والمساءلة، ليس فقط في صفوف الموظفين، بل أيضًا لدى المنتخبين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية التأطير والتوجيه واتخاذ القرار في ملفات استراتيجية تمس الحياة اليومية للساكنة.

آخر الأخبار