تقرير رقابي يضع تدبير التغطية الصحية في مرمى انتقادات المعارضة

الكاتب : انس شريد

01 فبراير 2026 - 07:30
الخط :

أعاد تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول أنشطته برسم سنتي 2024 و2025 فتح نقاش سياسي واسع بشأن حصيلة تعميم التغطية الصحية بالمغرب، بعدما كشف معطيات رقمية ومعطيات بنيوية تناقض، في نظر عدد من الفاعلين السياسيين، الخطاب الحكومي الذي قدّم هذا الورش الاجتماعي كإنجاز مكتمل في إطار “الدولة الاجتماعية”.

التقرير، الذي صدر في سياق يتسم بحساسية اجتماعية واقتصادية متزايدة، تحوّل إلى أرضية جديدة لمساءلة الحكومة من طرف المعارضة البرلمانية، التي اتهمتها بهدر المال العام وسوء توجيه الموارد، خاصة في ما يتعلق بنظام “أمو تضامن”.

وأبرز المجلس الأعلى للحسابات أن منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ما تزال تعاني اختلالات مالية وهيكلية عميقة، رغم التدابير المتخذة من أجل تعزيز توازنها، محذّرًا من مخاطر حقيقية تهدد استدامتها على المديين المتوسط والطويل، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على التوازنات المالية للدولة.

وسجل التقرير استمرار تدهور الوضعية المالية لمجمل الأنظمة، باستثناء نظام أجراء القطاع الخاص الذي يواجه بدوره صعوبات متنامية، مؤكداً أن الإجراءات المعتمدة، من قبيل تحديد الاحتياطي الأمني وتعزيز آليات التتبع والمراقبة، تظل غير كافية لوقف هذا المنحى التصاعدي للعجز.

وكشف التقرير أن السبب الرئيسي لهذا التدهور يعود إلى الارتفاع المتسارع لنفقات التعويضات بوتيرة تفوق بكثير تطور الاشتراكات، ما أدى إلى تسجيل عجز حاد في الأرصدة التقنية والإجمالية لعدد من الأنظمة.

وسلط المجلس الأعلى للحسابات الضوء بشكل خاص على الوضعية المقلقة لنظام التأمين الخاص بموظفي القطاع العام، الذي عرف منذ انطلاقه تقلبات مالية حادة.

وأوضح أن هذا النظام سجل منذ سنة 2021 تدهورًا ملحوظًا في نتائجه المالية، حيث بلغ العجز الإجمالي 1,51 مليار درهم، فيما تجاوز العجز التقني 1,77 مليار درهم، قبل أن يستمر هذا المنحى السلبي خلال السنوات اللاحقة، إذ بلغ العجز الإجمالي سنة 2023 حوالي 1,28 مليار درهم، والعجز التقني 1,3 مليار درهم.

وإلى حدود نهاية سنة 2024، حسب تقرير المجلس، تراوح العجز بين 861,62 مليون درهم كرصيد إجمالي و869,51 مليون درهم كرصيد تقني، بالتوازي مع تراجع الاحتياطي المالي الأمني إلى 5,56 مليارات درهم، وهو مستوى يقل عن المتوسط السنوي للتعويضات المؤداة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، المقدّر بنحو 7 مليارات درهم، ما يعكس اختلالًا هيكليًا عميقًا ناتجًا عن عدم قدرة الإيرادات على مجاراة الارتفاع المستمر للنفقات، خاصة في ظل شيخوخة فئات المستفيدين وارتفاع كلفة العلاجات.

وبخصوص الأنظمة الناشئة، سجل التقرير أن نظام “أمو تضامن” حقق فائضًا تقنيًا قدره 783 مليون درهم سنة 2023، غير أن تحليل مؤشر النفقات مقارنة بالمساهمات أظهر منحى تصاعديًا مقلقًا، إذ ارتفعت النسبة من 16 في المائة سنة 2022 إلى 71 في المائة سنة 2023، ثم إلى 94 في المائة سنة 2024، وهو ما ينذر، بحسب المجلس، بإمكانية اللجوء إلى تعبئة موارد مالية عمومية إضافية لضمان استدامة النظام.

أما نظام التأمين الخاص بالعمال غير الأجراء، فقد عرف بدوره اختلالات واضحة، تمثلت في تراجع الاشتراكات خلال سنة 2024 بنسبة فاقت 40 في المائة بسبب عدم وفاء عدد كبير من المنخرطين بالتزاماتهم، مقابل استمرار ارتفاع نفقات التعويضات، ما جعل توازنه المالي هشًا رغم تسجيل تحسن طفيف في رصيده التقني.

كما أشار التقرير إلى أن نظام “أمو الشامل”، باعتباره نظامًا حديث العهد، سجل عجزًا ماليًا بلغ حوالي 425 مليون درهم سنة 2024، نتيجة تزايد النفقات بوتيرة أسرع من الاشتراكات.

وفي ختام تقريره، أوصى المجلس الأعلى للحسابات رئاسة الحكومة باتخاذ مجموعة من التدابير الرامية إلى تعزيز الاستدامة المالية للمنظومة، من بينها استكمال الإطار القانوني، وإرساء إطار خاص لتدبير مالية التأمين يحدد الموارد والنفقات السنوية، وإحداث نظام معلوماتي مندمج للتتبع والمراقبة، وإقرار إصلاح تدريجي لنظام التأمين الخاص بالموظفين، وضبط نفقات نظام “أمو تضامن”، وإرساء آليات ملزمة لانخراط العمال غير الأجراء والوفاء باشتراكاتهم، إلى جانب تعزيز التنسيق بين سياسة التأمين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن الإدماج المهني للفئات غير القادرة على تحمل واجبات الاشتراك.

في المقابل، فجّر التقرير نقاشًا سياسيًا جديدًا داخل البرلمان، حيث وجّهت المعارضة انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن المعطيات الواردة فيه تنسف خطاب تعميم التغطية الصحية.

وفي هذا السياق، اعتبر حزب العدالة والتنمية، عبر النائب البرلماني مصطفى الإبراهيمي، أن التقرير يؤكد وجود اختلالات عميقة في تدبير هذا الورش الاجتماعي، مبرزًا أن حوالي 30 في المائة من المغاربة، أي ما يفوق 11 مليون شخص، ما يزالون خارج أي نظام للحماية الصحية، في تناقض واضح مع الأرقام التي تروّج لها الحكومة.

وأكد الإبراهيمي أن الارتفاع اللافت في أعداد المستفيدين من نظام “أمو تضامن”، خاصة في صفوف الشباب، يعكس ضعف إدماج هذه الفئة في سوق الشغل وتحول النظام، في نظره، إلى آلية لتعويض غياب فرص العمل بدل الارتكاز على منطق الاشتراكات.

وانتقد ما وصفه بتوجيه أكثر من 90 في المائة من موارد “أمو تضامن” لفائدة القطاع الصحي الخاص، وهي ميزانية انتقلت من حوالي 9.5 مليارات درهم إلى 10.5 مليارات درهم، معتبراً أن هذا التوجه يندرج في خانة هدر المال العام، خاصة في ظل معطيات تشير إلى أن كلفة الملف الطبي في المصحات الخاصة تفوق بنحو ست مرات كلفته داخل المستشفى العمومي بالنسبة لنفس المرض ونفس التشخيص.

وفي مقابل تأكيد الحكومة بلوغ نسبة تغطية صحية تناهز 85 في المائة، شدد الإبراهيمي على أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يفند هذه الأرقام، مبرزًا أن نسبة المستفيدين لم تتجاوز 60 في المائة سنة 2022 قبل أن ترتفع إلى 70 في المائة سنة 2024، وأن الجزء الأكبر من هذا الارتفاع يعود إلى تحويل مستفيدي نظام “راميد” إلى “أمو تضامن”، بينما لا تتجاوز نسبة التوسيع الفعلي لقاعدة المستفيدين 16 في المائة.

كما حذر من أن توجيه النسبة الأكبر من موارد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والدعم العمومي نحو القطاع الخاص يهدد توازن المنظومة الصحية خاصة في القطاع العام.

آخر الأخبار