عقود جديدة وتدابير صارمة لإنهاء معضلة النظافة بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

03 فبراير 2026 - 10:00
الخط :

بعد سنوات من الاختلالات البنيوية التي طبعت تدبير قطاع النظافة بالدار البيضاء، تستعد الجماعة الحضرية للدخول في مرحلة مفصلية توصف بالحاسمة، مع اقتراب نهاية عقود التدبير المفوض المبرمة مع شركتي “أرما” و“أفيردا”، وبدء العد العكسي لاعتماد دفتر تحملات جديد يروم إحداث قطيعة واضحة مع ممارسات الماضي، ووضع أسس نموذج أكثر نجاعة وصرامة في تدبير واحد من أكثر المرافق الحيوية ارتباطاً بالحياة اليومية للبيضاويين.

ويرتقب أن يصادق المجلس الجماعي للدار البيضاء، خلال دورة فبراير 2026 العادية، المقرر انعقادها يوم الخميس 05 فبراير 2026، على دفتر التحملات الجديد الخاص بقطاع جمع النفايات المنزلية والنفايات المنزلية والمشابهة، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً نحو إعادة هيكلة شاملة لهذا القطاع، بما يتلاءم مع حجم المدينة وتزايد عدد سكانها، وكذا مع التحديات البيئية والصحية المتراكمة التي أفرزتها سنوات من التدبير المثير للجدل.

ويأتي هذا التحول في سياق وطني ودولي خاص، حيث تستعد المملكة لاحتضان استحقاقات كبرى من حجم كأس العالم 2030، وهو ما يفرض على العاصمة الاقتصادية الارتقاء بمستوى خدماتها الحضرية، وفي مقدمتها النظافة، باعتبارها مؤشراً أساسياً على جودة العيش وجاذبية المدن الكبرى.

ووفقا لما توصلت به "الجريدة 24"، فإن مشروع دفتر التحملات الجديد يتضمن مستجدات جوهرية من شأنها إعادة ترتيب العلاقة بين الجماعة والمفوض لهم، وكذلك بين المرفق العمومي وكبار منتجي النفايات، حيث ينص لأول مرة على إلزام الفنادق والمطاعم والشركات والمنتجين الكبار للأزبال بتحمل كلفة النفايات التي ينتجونها، في توجه يرمي إلى إرساء مبدأ “الملوِّث يؤدي”، وتخفيف العبء المالي عن ميزانية الجماعة.

وبحسب المعطيات ذاتها، سيدخل قطاع جمع النفايات بالدار البيضاء مرحلة جديدة تمتد من سنة 2026 إلى غاية 2034، عبر عقود جديدة ستُبرم عقب إطلاق طلب عروض دولي مرتقب.

ومن أبرز المستجدات التي جاء بها دفتر التحملات الجديد، إعادة تقسيم المجال الترابي للدار البيضاء إلى أربعة قطاعات، بمعدل قطاع لكل عمالتين، بهدف تحسين الحكامة وتقريب خدمات النظافة من خصوصيات كل مجال ترابي، إلى جانب تعزيز جمع النفايات خلال الفترة الليلية بنسبة إجمالية لا تقل عن 60 في المائة على صعيد مجموع تراب الجماعة، بما يخفف الضغط على حركة السير ويحد من الإزعاج اليومي للساكنة.

كما ينص الدفتر، حسب المعلومات التي توصلت بها الجريدة 24، على تعميم اعتماد نقط التجميع بدل الحاويات تحت الأرضية، من خلال توفير حوالي 4700 حاوية موزعة على القطاعات الأربعة، مع الالتزام بالكنس اليدوي للشوارع والأزقة الرئيسية بتردد لا يقل عن مرة واحدة يومياً طيلة أيام الأسبوع، في محاولة لمعالجة واحدة من أكثر النقاط التي كانت محل انتقاد من طرف المواطنين.

ويشمل دفتر التحملات كذلك إدراج خدمة جمع النفايات الهامدة المنتجة من المنازل ضمن المقتضيات التعاقدية، وتعزيز الوسائل والآليات المعتمدة، مع إتاحة خدمة جمع النفايات من المنبع عند الطلب، بما يستجيب لحاجيات فئات واسعة من السكان، ويحد من انتشار المطارح العشوائية.

وفي ما يخص كبار منتجي النفايات، ينص المشروع على إحداث مسارات خاصة لجمع نفايات الفنادق والمطاعم والمؤسسات الكبرى، مرفقة بنظام وزن مدمج على متن الشاحنات، يسمح باحتساب دقيق للكميات المفروزة وفوترة الخدمات المقدمة بشكل شفاف، في تحول نوعي من شأنه إعادة التوازن المالي للقطاع وتحسين عدالة توزيع التكاليف.

كما يفرض دفتر التحملات الجديد غسل الحاويات يدوياً مع تنظيف وتعقيم أماكن وضعها، ورفع وتيرة غسلها لتصبح مرة واحدة أسبوعياً طيلة السنة، إلى جانب إحداث فرق تدخل سريع تابعة للمفوض له، مدعمة بوسائل نقل خفيفة ومناسبة، للتدخل الفوري في المناطق صعبة الولوج، ومعالجة حالات الطوارئ والمطارح العشوائية وعمليات التنظيف الموجهة عبر مختلف تراب الجماعة.

وعلى المستوى التقني، يشترط الدفتر توفر الشاحنات على هياكل متينة وتجهيزات متطورة تضمن النجاعة التشغيلية والسلامة وسهولة الصيانة، مع إدراج مستجدات تتعلق بإحداث مرائب ومستودعات جديدة وتهيئة فضاءات لوجستيكية بعدد من العمالات، بما يعزز القرب والجاهزية الميدانية.

وفي إطار التحكم في التكاليف، ينص المشروع على تقليص مصاريف التشغيل من خلال تحديد سقف للمصاريف العامة في حدود 5 في المائة، واعتماد الاحتساب الدقيق للكيلومترات المقطوعة لضبط نفقات الوقود والصيانة، إلى جانب اعتماد مركبات ذات استهلاك عقلاني للطاقة، بما ينسجم مع التوجهات البيئية الحديثة.

كما يقترح دفتر التحملات مراجعة معدلات العائد الداخلي نحو الانخفاض، بالنظر إلى أن المعدلات المعمول بها حالياً تتراوح بين 9 و13 في المائة، وذلك باعتماد معدل عائد أدنى محدد في 7 في المائة، وفق ما هو معمول به من طرف مديرية الشبكات العمومية المحلية، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن أفضل بين الربحية وجودة الخدمة.

وباعتماد هذا الدفتر الجديد، تراهن جماعة الدار البيضاء على طي صفحة من التدبير المطبوع بالارتجال وتعدد الاختلالات، وفتح أفق جديد لإرساء منظومة نظافة أكثر نجاعة واستدامة، تستجيب لتطلعات الساكنة، وتعيد الاعتبار لصورة العاصمة الاقتصادية، في أفق التحولات الكبرى التي تنتظر المدينة خلال السنوات المقبلة.

آخر الأخبار