شبهات تحويل الحبوب المدعمة إلى مصانع الأعلاف تشعل جدلا برلمانيا

الكاتب : انس شريد

04 فبراير 2026 - 08:30
الخط :

في خضم التحديات المتراكمة التي تواجه المنظومة الغذائية بالمغرب، عاد ملف دعم الحبوب ليطفو بقوة على السطح، مثيرًا جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والبرلمانية، وسط اتهامات خطيرة بتحويل كميات كبيرة من القمح والشعير المدعمين، المخصصين لإنتاج الدقيق الموجه للاستهلاك البشري، نحو مصانع الأعلاف الحيوانية، في مسار اعتبره متتبعون مساسًا مباشرًا بالأمن الغذائي وبالأهداف الاجتماعية للدعم الحكومي.

وفي هذا السياق، وجهت نعيمة الفتحاوي، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، سؤالا كتابيا إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، استندت فيه إلى ما كشفت عنه تقارير صحفية بخصوص رصد وثائق استيراد لحبوب مدعومة داخل وحدات لإنتاج الأعلاف الحيوانية، بدل توجيهها إلى مطاحن الدقيق كما ينص على ذلك برنامج الدعم العمومي.

وأشارت المعطيات المتداولة إلى أن هذا التحويل تم على مدى عدة أشهر، مستفيدًا من سيطرة بعض المستوردين على سلسلة التوريد بأكملها، من الاستيراد إلى التخزين ثم المعالجة، وهو ما صعّب من مهام المراقبة والتتبع، وجعل كشف هذه الاختلالات رهينًا بحالات استثنائية تمثلت في تسرب وثائق تدين المتورطين.

وتفيد التقارير ذاتها، حسب ما تطرقت له النائبة البرلمانية في معرض سؤالها، بأن مستوردي الحبوب يوجدون في صلب دائرة المستفيدين من الدعم العمومي، إذ حصلوا سنة 2021 على حوالي 43 في المائة من إجمالي حزمة الدعم، لترتفع هذه النسبة بشكل لافت إلى 84.8 في المائة خلال سنة 2022.

أما في سنة 2024، فقد بلغت الإعانات المخصصة للقطاع ما مجموعه 2.578 مليار درهم، وهي أموال عمومية رُصدت حصريًا لضمان استقرار أسعار الدقيق والخبز، باعتبارهما من المواد الأساسية التي تمس القدرة الشرائية لملايين الأسر المغربية.

وخلال السنوات الأخيرة، خصصت الدولة، حسب ما كشفت عنه الفتحاوي ما يقارب 10 مليارات درهم للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار الحبوب في الأسواق العالمية، وتداعيات الجفاف المتكرر الذي أثر على الإنتاج الوطني، ورغم تثبيت سعر القمح الفرنسي المدعم في حدود 1.20 درهم، شهدت أنواع أخرى من الدقيق زيادات ملحوظة في الأسعار، ما عمّق الفجوة بين حجم المجهودات المالية المبذولة والنتائج المحققة على أرض الواقع، وأثار تساؤلات حول فعالية آليات التتبع والمراقبة.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الدعم الحكومي، الذي كان مقتصرًا في بدايته على 6.26 ملايين قنطار من القمح الطري، جرى توسيعه لاحقًا ليشمل مختلف أنواع الحبوب بهدف كبح التضخم وضمان استقرار السوق.

غير أن الممارسات الاحتيالية، وفق ما تم تداوله في التقارير الاعلامية، التي تطرقت لها النائبة البرلمانية في سؤالها الكتابي، أفرغت هذه التدابير من مضمونها، حيث قدرت  الأرباح التي يحققها المستوردون المتورطون في تحويل الحبوب المدعمة إلى أعلاف حيوانية بنحو ثلاثة دراهم عن كل كيلوغرام، وهو ربح اعتُبر غير مشروع ومتحققًا على حساب الهدف الاجتماعي للدعم وحق المواطنين في الولوج إلى الغذاء الأساسي بأسعار محددة.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، طالبت النائبة البرلمانية وزير الفلاحة بالكشف عن التدابير المتخذة لتحديد المسؤوليات وتقييم الحجم الحقيقي للاختلاسات المحتملة، وكذا الإجراءات المعتمدة لتعزيز منظومة مراقبة وتتبع وتدبير الإعانات العمومية، في ظل الضغط المتزايد على المالية العامة للدولة وتدهور القدرة الشرائية للأسر.

وتزامن هذا الجدل مع انتقادات وجهها الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب لوزارة الفلاحة، على خلفية ما وصفه بندرة الأسمدة وضعف الدعم الموجه للفلاحين والكسابة وغلاف الأعلاف.

وفي هذا الإطار، اعتبر صالح أوغبال، عضو الفريق، خلال إحدى الجلسات البرلمانية، أن الإشكال لم يعد مرتبطًا فقط بمستويات الأسعار، بل بتوفر الأسمدة نفسها داخل السوق الوطنية، مشيرًا إلى أن مادة “الملحة” أصبحت نادرة، وبلغ ثمنها حوالي 600 درهم للقنطار، دون أن تكون متاحة بالكميات المطلوبة.

وسلط المتحدث الضوء على اختلالات على مستوى الموانئ، نتيجة توقف عدد من السفن بسبب غياب التأمين، سواء تعلق الأمر بتأمين السفن أو شحنات الأعلاف، وهو ما انعكس سلبًا على نشاط معامل الأعلاف، وأدى إلى توقف بعضها عن الاشتغال، مفاقمًا أوضاع الكسابين الذين يعيشون، بحسب تعبيره، ظروفًا صعبة للغاية.

كما تساءل عن مصير دعم الشعير والذرة، محذرًا من وضع مقلق يعيشه مربو الماشية في المناطق الجبلية، ومشيرًا إلى أن الفلاحة في بعض الجهات، خاصة بمنطقة الغرب، باتت مهددة بشكل جدي.

في المقابل، دافع وزير الفلاحة أحمد البواري عن حصيلة وزارته، مؤكدًا أن الأسمدة متوفرة وبأثمان مستقرة، خصوصًا الأسمدة الفوسفاطية المتوفرة داخل السوق الوطنية، موضحًا أن الإشكال المتعلق بالأسمدة الأزوتية يرتبط أساسًا بالظروف الجوية البحرية التي تسببت في تأخر البواخر التي لا تزال تنتظر تفريغ شحناتها.

وشدد الوزير على أن الفلاحين توصلوا بالدعم المخصص لهم، والذي بلغ غلافه المالي 5.3 مليارات درهم، استفاد منه أزيد من مليون فلاح، داعيًا إلى عدم مغالطة الرأي العام، ومؤكدًا استمرار الوزارة في دعم القطاع الفلاحي والدفاع عن مصالح العاملين به.

وفي ما يخص الأعلاف، أفاد الوزير بأن أسعارها عرفت استقرارًا ملحوظًا، باستثناء التبن الذي سجل ارتفاعًا بنحو 12 في المائة، مبرزًا أن هذا الارتفاع يعود أساسًا إلى توالي سنوات الجفاف وتراجع الإنتاج الوطني من الكلأ، وهو ما أثر بشكل مباشر على العرض داخل السوق.

وأكد في المقابل أن باقي مكونات الأعلاف ظلت مستقرة نسبيًا بفضل تدخلات استباقية ومواكبة مستمرة من طرف السلطات العمومية، مشددًا على أن الحكومة لعبت دورًا محوريًا في دعم الأعلاف ومساندة الكسابة عبر برامج الدعم المباشر وتسهيل الولوج إلى المواد العلفية بأسعار معقولة.

ويعيد هذا السجال البرلماني والإعلامي فتح النقاش حول حكامة منظومة الدعم، ونجاعة آليات المراقبة، ومدى قدرة الدولة على ضمان توجيه الموارد العمومية نحو أهدافها الاجتماعية، في سياق اقتصادي ومناخي بالغ التعقيد، يضع الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية في صلب الرهانات الوطنية.

آخر الأخبار