البرلمان ينبش في أعطاب الحي المحمدي وعين السبع
تعيش عدد من أحياء مدينة الدار البيضاء، أبرزها الحي المحمدي وعين السبع على إيقاع اختلالات عمرانية وبيئية متراكمة، تعكس عمق التحديات التي تواجه تدبير الشأن المحلي داخل أكبر حواضر المملكة، وتضع المجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية أمام مسؤوليات متزايدة تتعلق بحماية صحة المواطنين، وصيانة الملك العام، وضمان شروط العيش الكريم داخل الفضاءات الحضرية.
ودخلت المؤسسة التشريعية على خط هذه الأزمة عبر أسئلة كتابية وجهها النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، عادل البيطار، إلى عدد من القطاعات الحكومية، مطالباً بتوضيحات دقيقة بشأن اختلالات وُصفت بالمتشعبة والخطيرة.
وتبرز في مقدمة هذه الملفات معاناة ساكنة الحي المحمدي من استمرار نشاط سوق الدواجن بالجملة وسط مجال سكني كثيف، في وضع بيئي وصحي اعتبرته فعاليات محلية غير مقبول.
فالسوق، الذي كان يفترض أن يخضع لشروط صارمة تحمي صحة المواطنين، أصبح مصدراً يومياً للروائح الكريهة والتلوث، نتيجة مخلفات الذبح وتراكم النفايات، إلى جانب الفوضى التي ترافق حركة الشاحنات والتجار منذ ساعات الصباح الأولى.
ورغم تدخلات متفرقة لتحسين النظافة، فإن الوضع ظل على حاله، ما عمّق معاناة الساكنة وأعاد إلى الواجهة مطلب الترحيل النهائي للسوق خارج المدار الحضري.
وفي هذا السياق، أثار النائب البرلماني عادل البيطار ملف سوق الدواجن في سؤال كتابي موجّه إلى الحكومة، مستفسراً عن الجدوى الحقيقية لمشروع ترحيل السوق إلى منطقة أولاد عزوز، والمراحل العملية لتنزيل هذا القرار، وكذا الإجراءات المعتمدة للحد من الأضرار البيئية والصحية في المرحلة الانتقالية، إلى جانب الضمانات المرتبطة بمراقبة احترام المعايير الصحية بعد نقل السوق، والآجال الزمنية المحددة لإنجاز المشروع.
وبموازاة هذا الملف، تفجرت قضية عقارية وُصفت بالحساسة تتعلق ببقعة أرضية تحمل الرسم العقاري C/8447 بمنطقة عين السبع، تبلغ مساحتها حوالي 6000 متر مربع، وتقع في موقع استراتيجي تُقدّر قيمته المالية بنحو 20 مليار سنتيم.
هذه الأرض، التي كانت مصنفة كمساحة خضراء عمومية وفق مقتضيات المادة 29 من قانون التعمير رقم 25-90، آلت ملكيتها إلى شركة خاصة للإنعاش العقاري، استناداً إلى حكم صادر عن محكمة النقض سنة 2017 وقرار للمحكمة الإدارية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاتهامات داخل مجلس جماعة الدار البيضاء.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن العقار كان قد أُدرج ضمن الملك الجماعي بعد تسوية وضعيته القانونية، قبل أن يُفاجأ المجلس الجماعي بتغيير ملكيته دون إشعار مسبق أو تداول داخلي، ما دفع مستشاري المعارضة إلى اعتبار ما جرى مساساً خطيراً بممتلكات الجماعة وبحق الساكنة في الاستفادة من المساحات الخضراء.
وفي هذا الإطار، طالب عادل البيطار، بالكشف عن الإجراءات المتخذة لضمان الشفافية والإنصاف في نقل ملكية الأراضي الجماعية، وفتح تحقيق في أي شبهات أو مخالفات إدارية أو قانونية محتملة.
كما تساءل النائب البرلماني عن مدى احترام هذا التحويل للقوانين الوطنية المؤطرة للمساحات الخضراء، وخطط الحفاظ على حقوق الساكنة في الفضاءات العمومية، إضافة إلى التدابير التي تعتزم الحكومة اعتمادها لتفادي تكرار نزاعات مماثلة وحماية الملكيات الجماعية مستقبلاً.
ولم يتوقف تدخل المؤسسة التشريعية عند هذا الحد، بل شمل أيضاً ملف تأخر إنجاز مشروع إعادة بناء محطة القطار بعين السبع، وهو المشروع الذي كان يُنتظر أن يساهم في تحسين البنية التحتية للنقل السككي وتعزيز جودة الخدمات المقدمة لآلاف المسافرين يومياً.
غير أن التأخر المسجل في إنجازه انعكس سلباً على ظروف استقبال المرتفقين وسلاسة التنقل، ما دفع النائب البرلماني إلى مساءلة الجهات الوزارية الوصية حول الأسباب الحقيقية لهذا التأخير، والإجراءات المعتمدة لتسريع وتيرة الأشغال ووضع حد لمعاناة مستعملي القطار.
وفي الحي المحمدي، يتقاطع هذا الوضع مع تحدٍّ عمراني آخر لا يقل خطورة، يتمثل في انتشار الدور السكنية الآيلة للسقوط، خاصة بمنطقة درب مولاي الشريف، حيث لا تزال بنايات مهددة بالانهيار قائمة رغم التنبيهات والشكايات المتكررة.
هذا الواقع يطرح، وفق متتبعين، إشكالات تتعلق بسلامة السكان وبطء التدخلات، في ظل هشاشة اجتماعية وعمرانية متراكمة.
وفي هذا الصدد، وجّه عادل البيطار سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الاسكان فاطمة الزهراء المنصوري، طالب فيه بالكشف عن الإجراءات المتخذة أو المزمع اعتمادها لمعالجة ملف الدور الآيلة للسقوط، والبرامج المخصصة لإعادة إسكان المتضررين أو ترميم المباني الخطرة، بما يضمن حماية الأرواح وتوفير بيئة سكنية آمنة للساكنة.
وتعكس هذه الأسئلة البرلمانية مجتمعة حجم التحديات التي تواجه تدبير الشأن المحلي بالدار البيضاء، وتسلط الضوء على تقاطع القضايا البيئية والعقارية والعمرانية في أحياء تعرف كثافة سكانية مرتفعة وحساسية اجتماعية خاصة.
كما تبرز تصاعد دور الرقابة البرلمانية في مساءلة الحكومة حول اختلالات التدبير الحضري، في وقت تتطلع فيه الساكنة إلى حلول ملموسة تتجاوز التشخيص إلى الفعل، وتعيد الاعتبار لحقها في بيئة سليمة ومجال حضري منظم، يحترم القانون ويصون الملك العام.