بين الفضاء الرقمي والعمل الميداني.. دينامية التضامن المجتمعي تبرز في زمن الأزمات

الكاتب : انس شريد

08 فبراير 2026 - 10:30
الخط :

تبرز الأزمات والكوارث الطبيعية التي يشهدها المغرب، بين الفينة والأخرى، ملامح راسخة من التضامن المجتمعي الذي يتحول، في لحظات الشدة، إلى سلوك جماعي واسع يعكس عمق الروابط الاجتماعية وقوة الإحساس المشترك بالمسؤولية.

ما إن تضرب كارثة طبيعية أو يقع حدث طارئ بإحدى المناطق، حتى تتحول حالة الترقب إلى حراك اجتماعي واسع، تنخرط فيه فئات مختلفة عبر مبادرات تلقائية وسريعة، تتجاوز التعاطف الرمزي إلى دعم فعلي يهدف إلى مواكبة المتضررين والحد من انعكاسات الوضع الاستثنائي.

وقد برز هذا السلوك بوضوح خلال الفيضانات التي عرفتها المملكة سواء في إقليم العرائش أو سيدي قاسم، إذ تحولت مختلف الفضاءات، الواقعية والرقمية على حد سواء، إلى منصات للتكافل والتآزر.

وسُجّل اندفاع كبير لمواطنين من مختلف الفئات الاجتماعية نحو تقديم المساعدات، سواء عبر التبرعات المالية أو جمع المواد الغذائية والملابس والأغطية، في مشهد يعكس خصوصية التجربة المغربية في التفاعل مع الأزمات، ويمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية للمناطق المنكوبة.

ويمتد هذا السلوك التضامني ليجد تجسيده المنظم داخل نسيج المجتمع المدني، حيث لعبت الجمعيات والهيئات المحلية أدوارًا محورية في تأطير جهود الدعم وتوجيهها نحو الفئات الأكثر تضررًا.

وشكلت مواقع التواصل الاجتماعي، في هذا السياق، رافعة أساسية لتعزيز هذه الدينامية التضامنية، حيث أطلق عدد من النشطاء حملات واسعة لجمع التبرعات وتنسيق المساهمات لفائدة المتضررين من الفيضانات، سواء بمدينة القصر الكبير وضواحيها أو بإقليم سيدي قاسم.

وساهمت الصفحات ذات المتابعة الواسعة، إلى جانب عدد من الشخصيات المعروفة، في توسيع دائرة التعبئة، من خلال ربط التواصل بين المتبرعين والجمعيات الميدانية، وتوفير موارد أساسية شملت المواد الغذائية والملابس والأغطية، قصد نقلها إلى المناطق المتضررة.

وفي موازاة هذا الحراك المدني، اضطلعت السلطات المحلية بأدوار أساسية في تدبير الوضع، عبر تنسيق الجهود مع فرق الوقاية المدنية والأجهزة الأمنية والمصالح الاجتماعية.

وقد انصبت هذه التدخلات على تأمين عمليات الإنقاذ، وتنظيم نقل المتضررين، وإيواء الأسر التي وجدت نفسها دون مأوى في مراكز مؤقتة أو في مدن مجاورة اعتُبرت أكثر أمانًا، خاصة ضمن نفوذ جهة طنجة–تطوان–الحسيمة. كما شملت هذه الجهود توزيع الموارد الأساسية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، وتوفير الدعم اللوجستي اللازم خلال هذه الظرفية الاستثنائية.

وفي هذا الإطار، كشفت نوال الفيلالي، رئيسة جمعية “يلا نتعانو”، في تصريحات مصورة نُشرت على صفحتها الرسمية بموقع “إنستغرام”، عن توصل الجمعية بعدد مهم من المساهمات العينية، شملت مواد غذائية وملابس وأغطية، مؤكدة أنه جرى نقلها عبر شاحنات إلى الأسر المتضررة من الفيضانات.

وتعكس هذه المبادرة، وغيرها من المبادرات المشابهة، حجم الثقة التي يضعها المواطنون في العمل الجمعوي، وقدرته على لعب دور الوسيط الفعال بين المتبرعين والمستفيدين.

وتُبرز هذه التجارب المتراكمة أن التضامن في السياق المغربي لا يُختزل في رد فعل ظرفي، بل يُعد ممارسة اجتماعية متجذرة تتجدد مع كل أزمة، وتكشف عن قدرة المجتمع على التعبئة الذاتية والتكيف مع الظروف الصعبة.

كما تطرح هذه الدينامية أسئلة أعمق حول سبل تعزيز هذا الرأسمال الاجتماعي، وتحويله إلى رافعة دائمة للتنمية والتماسك، بما يجعل من التضامن قيمة مؤسساتية مستدامة، وليس مجرد استجابة آنية للكوارث.

آخر الأخبار