أزمة الذهب تطرق البرلمان بسبب تغول الفراقشية

الكاتب : انس شريد

17 فبراير 2026 - 10:30
الخط :

يعيش قطاع صياغة الذهب والفضة بالمغرب على وقع أزمة غير مسبوقة، دفعت بملف ما يوصف بتغول المضاربين إلى واجهة النقاش البرلماني، في وقت تتصاعد فيه شكاوى الحرفيين والتجار من اختلالات عميقة تهدد مستقبل هذا النشاط التقليدي ذي البعد الاقتصادي والاجتماعي، وتُنذر بتداعيات ثقيلة على آلاف الأسر المرتبطة به بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، عائشة الكوط، سؤالاً شفهياً إلى وزارة الصناعة والتجارة، سلطت فيه الضوء على الوضع المقلق الذي يعيشه القطاع، مؤكدة أن ما يقارب نصف محلات الصياغة والصناعة اضطرت إلى إغلاق أبوابها أو تجميد نشاطها خلال شهر يناير وحده، نتيجة تحكم فئة من المضاربين المعروفين في الوسط المهني بـ“فراقشية الذهب والفضة” في أغلب قنوات تزويد السوق بالمادة الأولية.

وتشير معطيات مهنيين، حسب ما كشفت عنه النائبة البرلمانية إلى أن هؤلاء الوسطاء يستحوذون على ما بين 70 و80 في المائة من كميات الذهب المتداولة، ويفرضون أسعاراً تفوق السعر الدولي بهوامش قد تصل إلى 200 ألف درهم في الكيلوغرام الواحد، كما أنهم لا يواكبون الانخفاضات التي تعرفها البورصات العالمية، ما يجعل السوق الوطنية رهينة لمنطق الاحتكار والمضاربة، ويعمق حالة الركود التي يعيشها القطاع.

وتزداد حدة الأزمة، بحسب النائبة البرلمانية، بسبب عدم التزام بعض الشركات المنجمية بترك الحصة القانونية من الإنتاج داخل السوق الوطنية، والمحددة في 15 في المائة، حيث يتم توجيه كامل الكميات تقريباً نحو التصدير، ما يحرم الصاغة من مورد أساسي ويجعلهم مضطرين للجوء إلى قنوات غير رسمية بأسعار مرتفعة.

وتساءلت النائبة البرلمانية عن الإجراءات التي ستتخذها الوزارة الوصية لضبط السوق الوطنية وحمايتها من تغول المضاربين "فراقشية الذهب و الفضة" الذين يتحكمون في أسعار المادة الأولية.

بالإضافة أنها تساءلت عن التدابير الرامية لإلزام الشركات المنجمية الوطنية بترك الحصة القانونية من إنتاج الذهب والفضة داخل السوق المحلية لتلبية احتياجات الصياغين.

ولا يختلف الوضع كثيراً في قطاع الفضة، الذي يوصف من طرف المهنيين بالمتضرر الأكبر، رغم أن المغرب يعد من كبار المصدرين عالمياً لهذا المعدن، الأمر الذي دفع النائبة البرلمانية بمطالبة الوزارة بإنقاذ آلاف الحرفيين والتجار من الإفلاس وحماية هذا القطاع التراثي والاقتصادي من الانهيار.

في خضم هذا الجدل، دخل المرصد المغربي لحماية المستهلك على الخط، معبراً عن متابعته باهتمام للمستجدات المتداولة بشأن شروع الصين في إنتاج نوع جديد من الذهب الصناعي يعرف بـ“الذهب الصافي الصلب”، والذي يُروج له بخصائص تجمع بين نقاء عالٍ وصلابة تفوق الذهب التقليدي، داعياً إلى إخضاع أي منتوج جديد موجَّه للسوق المغربية لمعايير دقيقة من المراقبة والشفافية.

وشدد المرصد على ضرورة حماية المستهلكين من أي خلط تجاري أو تضليل محتمل، خاصة في ما يتعلق بالفارق بين الذهب الاستثماري والذهب الصناعي الموجه للزينة، مؤكداً أن الابتكار مرحب به ما دام يحترم قواعد السوق السليمة ويضمن حق المواطن في المعلومة الواضحة.

هذا الوضع المتشابك خلق حالة من الترقب والحذر داخل الأسواق، وأدى إلى تباطؤ غير مسبوق في حركة البيع والشراء، بحسب ما أكده مهنيون في القطاع، الذين تحدثوا عن ركود يفوق في حدته حتى ما عاشه المجال خلال فترة جائحة كورونا.

وفي تصريح لـ“الجريدة 24”، أوضحت أمينة، وهي تاجرة ذهب بمنطقة الدروة، أن الارتفاعات التي شهدها الذهب خلال الأسابيع الأخيرة كانت سريعة واستثنائية، حيث عرف السوق زيادات يومية كبيرة وصلت أحياناً إلى عشرات الدراهم في الغرام الواحد، وهو ما أربك حسابات التجار والزبناء على حد سواء.

وأضافت أن هذا الصعود كان مرتبطاً أساساً بارتفاع الطلب في البورصات العالمية، وأن ما تلاه من تراجع يدخل في إطار التصحيح الطبيعي، غير أن تزامنه مع إغلاق الأسواق الدولية خلال نهاية الأسبوع خلق ارتباكاً لدى المستهلكين، وأدى إلى جمود شبه تام في السوق الوطنية.

وأشارت المتحدثة إلى أن عدداً من التجار تكبدوا خسائر فعلية، خصوصاً من تلقوا دفعات مسبقة من الزبناء خلال فترة الذروة، قبل أن تتراجع الأسعار بشكل مفاجئ، مؤكدة أن التاجر يظل الحلقة الأضعف، لأنه لا يملك أي سلطة على حركة الأسعار العالمية.

وحذرت أمينة من خطورة تداول معلومات غير دقيقة حول أسعار الذهب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن ذلك يساهم في تشويه صورة التجار وإرباك السوق، في حين أن الأسعار المحلية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها الضرائب وتكاليف الاستيراد وسلسلة التوزيع.

وبحسب المتحدثة ذاتها، فإن أسعار الذهب بالمغرب تتراوح حالياً، حسب جودة الصياغة ونوعها، ما بين 1350 و1500 درهم للغرام، معتبرة أن هذا المستوى يظل طبيعياً ولا يعكس انهياراً في السوق، ومذكرة بأن الذهب تاريخياً يسير في منحى تصاعدي على المدى الطويل رغم فترات التراجع الظرفية.

في المحصلة، يطرح واقع قطاع الذهب والفضة أسئلة عميقة حول نجاعة السياسات العمومية في ضبط السوق، وحماية الحرفيين والتجار والمستهلكين من تغول المضاربين، وضمان استفادة الاقتصاد الوطني من ثرواته المعدنية، في ظل رهانات كبيرة للحفاظ على هذا القطاع التراثي من الانهيار وصون دوره كرافعة اقتصادية واجتماعية.

آخر الأخبار