عاد ملف استيراد الماشية إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب في سياق يتسم بارتفاع غير مسبوق في أسعار اللحوم الحمراء، وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً مع اقتراب المواسم التي تعرف ذروة في الاستهلاك.
وبينما راهنت الحكومة خلال الأشهر الماضية على توسيع قاعدة الاستيراد لتعزيز العرض وضبط الأسعار، تبرز اليوم مؤشرات متقاطعة توحي بإعادة ترتيب الأولويات، في ظل تعقيدات صحية وتجارية تحيط بالسوق الإسبانية، وتحركات مغربية نحو تنويع الشركاء، وفقاً للتقارير الإعلامية الإسبانية.
ووفقا للتقارير الصحفية الاسبانية، القيود المفروضة على لحوم الأبقار الإسبانية أسهمت في إبطاء تدفقات كانت تراهن عليها الضيعات الإسبانية خلال شهر رمضان، الذي يمثل تقليدياً ذروة استهلاك اللحوم في عدد من الدول العربية.
وتشير التقارير إلى أن صادرات الحيوانات الحية من إسبانيا نحو المغرب والجزائر ودول إسلامية أخرى تراجعت بنحو 80 في المائة مقارنة بالسنوات الماضية، وهو تراجع لا يُعزى فقط إلى ضعف الطلب، بل أيضاً إلى ارتفاع الأسعار وتداعيات الوضع الصحي للقطيع الإسباني.
ففي أكتوبر الماضي، أعلنت السلطات البيطرية في إسبانيا، حسب التقارير الاعلامية، تسجيل بؤر لمرض التهاب الجلد العقدي المعدي لدى الأبقار، ما أفقد البلاد وضعها السابق كدولة خالية من هذا المرض، بخلاف منافسين أوروبيين مثل فرنسا وإيطاليا.
ووفقاً للمعايير المعتمدة في تجارة الحيوانات الحية، أدى ذلك إلى تعليق تلقائي لشهادات تصدير منتجات الأبقار إلى عدد من الدول خارج الاتحاد الأوروبي، مع إخضاع أي عملية تصدير محتملة لإجراءات إضافية وموافقات خاصة من وزارة الزراعة والثروة السمكية والأغذية الإسبانية.
ورغم أن صادرات اللحوم الإسبانية داخل الاتحاد الأوروبي ظلت مستقرة نسبياً، فإن سوق الماشية الحية نحو دول الجنوب عرف شبه توقف، ما حرم المربين الإسبان من دعم موسمي كانوا يعولون عليه في رمضان.
ونقلت صحف إسبانية عن مسؤولين مهنيين أن جزءاً من الكميات المحدودة التي تُصدَّر حالياً خارج الاتحاد الأوروبي يتجه أساساً إلى الجزائر، وبدرجة أقل إلى المغرب، في ظل منافسة متزايدة من دول مثل البرازيل التي تستفيد من ميزة السعر.
في المقابل، يشتكي مربو الماشية الإسبان من أن الأسعار المرتفعة للحيوانات، الناتجة عن نقص القطيع وارتفاع تكاليف الإنتاج، تفقدهم القدرة التنافسية في أسواق شمال إفريقيا. فالمغرب، الذي يُعد تقليدياً أحد أبرز زبائن إسبانيا في مجال الماشية الحية، يفرض تعريفات جمركية قد تصل إلى 200 في المائة على بعض الواردات، وهو ما تعتبره أوساط تجارية إسبانية منافياً لالتزامات التحرير في إطار اتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية والمبادئ العامة لمنظمة التجارة العالمية.
هذه المعطيات تتقاطع مع واقع داخلي مغربي يتسم باستمرار منحى الأسعار التصاعدي. ففي أسواق التقسيط، يتراوح سعر الكيلوغرام من اللحوم المستوردة بين 85 و90 درهماً، فيما تباع اللحوم المحلية في حدود 120 درهماً، دون مؤشرات واضحة على انخفاض قريب.
وقد شهدت أسعار لحم الغنم الحي بالمغرب ارتفاعاً بنحو 25 في المائة خلال عامين، مقابل زيادة تقارب 45 في المائة بالنسبة للحم البقر، بحسب بيانات رسمية متداولة، ما يعكس فجوة متنامية بين العرض والطلب.
ورغم إعلان وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في وقت سابق، أن عملية إحصاء القطيع الوطني أسفرت عن تسجيل أكثر من 32 مليوناً و800 ألف رأس من الماشية، بينها أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام ونحو مليوني رأس من الأبقار، فإن هذه الأرقام لم تُبدد المخاوف بشأن قدرة السوق المحلية على تلبية الطلب في فترات الذروة، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف.
في خضم هذه التحديات، برز توجه مغربي نحو البحث عن موردين بديلين، وفي مقدمتهم أستراليا، أكبر منتج عالمي للأغنام.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من صعوبات، فقد نقل موقع “ذا ويكلي تايمز” خلال يناير الماضي عن مسؤولين في المجلس الأسترالي لمصدّري الماشية أن المسافة الطويلة بين البلدين وارتفاع تكاليف النقل البحري يشكلان عائقاً أمام إبرام صفقات واسعة النطاق، خصوصاً في ظل منافسة أسواق أقرب جغرافياً وأقل كلفة.
كما أشار هؤلاء إلى أن المستوردين المغاربة يميلون إلى تنويع مصادر التوريد بين أوروبا وأمريكا الجنوبية، ما يجعل الانفتاح على أستراليا رهيناً بتغير المعطيات الاقتصادية.
هذا التحول المحتمل نحو أسواق بعيدة يعكس في جوهره سعي المغرب إلى تقليص الاعتماد على مورد واحد، بعدما أظهرت الأزمة الصحية في إسبانيا هشاشة سلاسل التوريد القائمة على مصدر محدود.
غير أن الاعتماد على موردين أبعد، حسب التقارير قد يترتب عنه ارتفاع إضافي في الكلفة النهائية، ما لم تُصاحب العملية بإجراءات دعم فعالة أو مراجعة للرسوم والضرائب المفروضة على الاستيراد.
الملف لا ينفصل كذلك عن الجدل السياسي الذي رافق الدعم الحكومي المخصص لاستيراد المواشي واللحوم الحمراء خلال السنتين الأخيرتين، فقد تباينت التصريحات الرسمية بشأن الكلفة الإجمالية لهذا الدعم، بين أرقام تحدثت عن مليارات الدراهم وأخرى أكدت أن المبالغ لم تتجاوز بضع مئات من الملايين، قبل أن تعلن وزارة الفلاحة أن الكلفة الإجمالية بلغت نحو 437 مليون درهم موزعة على سنتي 2023 و2024.
هذا التباين غذى نقاشا واسعا حول شفافية تدبير الملف ومعايير الاستفادة، في ظل انتقادات تتهم السياسة المعتمدة بعدم انعكاسها بشكل ملموس على أسعار البيع للمستهلك.
وبين ضغوط المربين الإسبان الذين يرون في السوق المغربية منفذاً حيوياً لتصريف إنتاجهم، واعتبارات الرباط المرتبطة بالكلفة والرسوم الجمركية وحماية السوق الداخلية، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان المغرب يتجه فعلياً إلى تقليص اعتماده على استيراد الماشية من إسبانيا، أم أنه يعيد فقط توزيع أوراقه في انتظار استقرار الأوضاع الصحية والأسعار.