بين برامج التجديد المتعثرة وفوضى المحطات.. أعطاب النقل العمومي تحت مجهر البرلمان
تعكس الوضعية الراهنة للنقل العمومي بالمغرب واقعًا متأزمًا يواجهه المواطنون يوميًا عند التنقل بين المدن والجهات، حيث يعاني المسافرون من تأخر الحافلات، والاكتظاظ، وضعف شروط الراحة والسلامة، في وقت يُفترض أن يمثل هذا المرفق العمومي ركيزة أساسية لضمان تنقل سلس وآمن.
وقد تصاعدت المطالب منذ سنوات من قبل الفاعلين في القطاع والجمعيات المهنية وحتى المسافرين أنفسهم، من أجل تحديث الحظيرة الوطنية وتجديد المحطات الطرقية، خاصة بعد تسجيل حوادث وإشكالات متكررة ناجمة عن اعتمادية الحافلات المتقادمة وانخفاض مستوى صيانتها.
وكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024 و2025 عن أرقام صادمة حول هذا الواقع، إذ لم تتجاوز الحافلات المجددة خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024 سوى 149 حافلة، أي نسبة لا تتعدى 6% من إجمالي الحظيرة النشيطة، بينما اقتصرت التجديدات في سنة 2024 على ثماني حافلات فقط، مع نسبة استعمال ضعيفة للاعتمادات تراوحت بين 0,5 و0,7% فقط.
وعلى النقيض، استحوذت عمليات التكسير على الجزء الأكبر من الاعتمادات، حيث بلغت 141 حافلة، مع نسبة استعمال بين 1,4 و2,6%، وهو ما أعاق تحقيق الهدف المعلن المتمثل في خفض متوسط عمر الحافلة الوطنية من 13 سنة إلى أقل من 10 سنوات بحلول سنة 2026.
وأوضح التقرير أن هذه الوضعية تعكس صعوبات بنيوية تواجه مهنيي النقل، منها تعقيد شروط الاستفادة من المنح التحفيزية، خصوصًا ما يتعلق بتسوية الوضعية الجبائية لدى الإدارة العامة للضرائب، إضافة إلى إلزامية اقتناء مركبات تتوفر على بطاقة السلامة عند الصنع، ما يقلص من المعروض في السوق ويحد من قدرة الشركات على تحديث أسطولها.
وعليه، تبقى المحطات الطرقية غير قادرة على توفير تجربة سفر مريحة وآمنة، ما ينعكس سلبًا على جاذبيتها وعلى مستوى رضا المرتفقين.
وفي ما يتعلق بتدبير المحطات الطرقية، كشف التقرير عن غياب مسطرة موحدة وفعالة للموافقة على الاستغلال الإجباري، وضعف المراقبة البعدية لاحترام الشروط التقنية ومعايير الجودة، وعدم التنسيق بين المحطات في ما يخص تنظيم الخطوط والمواقيت وإدارة حركة الحافلات. كما سجل التقرير قيام بعض المحطات الخاصة بالعمل خارج الإطار القانوني، بما يشكل منافسة غير مشروعة ويؤثر على انتظام الخدمات وشفافيتها.
ويلاحظ أن بعض المشاريع، مثل محطات مراكش وأكادير وطنجة وتطوان، شهدت تعديلات غير مرخصة على المرافق بعد منح القرار الوزاري، ما يعكس غياب الرقابة الدورية والآليات المركزية لضبط سير هذه المرافق.
وأشار التقرير إلى أن تنظيم العمليات داخل المحطات يفتقد إلى آليات ضبط موحدة، حيث تعمل كل محطة كوحدة مستقلة، مع التركيز فقط على استخلاص واجبات الاستغلال وإدارة الدخول والخروج، دون تنسيق مسبق لتوزيع الأرصفة أو مراقبة مواقيت الانطلاق والوصول، وهو ما يؤدي إلى تأخيرات ونزاعات دائمة بين الشركات ويضعف تجربة السفر.
وأوضح المصدر ذاته أن بعض المحطات الخاصة تجاوزت الضوابط القانونية، إذ بلغ عددها 15 محطة تعمل دون ترخيص مسبق، ما يعكس ضعف الضبط والتنظيم ويهدد حقوق المسافرين.
وفي ظل هذه المعطيات، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، سلوى البردعي، سؤالا كتابيا إلى وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، طالبت من خلاله بتوضيحات حول التدابير الاستعجالية المزمع اتخاذها لتجاوز ضعف تنزيل برامج تجديد الحافلات، وتبسيط شروط الاستفادة من المنح التحفيزية، بما يسمح بتسريع تقليص عمر الحظيرة وتحسين السلامة الطرقية.
كما تساءلت عن الإجراءات المزمع اعتمادها لإرساء مسطرة موحدة وشفافة لاستغلال المحطات الطرقية، وتعزيز المراقبة الدورية لاحترام الشروط التقنية ومعايير الجودة، إضافة إلى إمكانية إحداث سلطة ضبط وطنية تنسق حركة الخطوط والمواقيت وتضمن الانسجام بين مختلف المحطات، على غرار القطاعات الأخرى.
وشددت النائبة البرلمانية على ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية صارمة لوضع حد لتشغيل المحطات الخاصة غير المرخصة، وضمان تكافؤ المنافسة وحماية مصالح المسافرين.