المرصد المغربي ينبه إلى مخاطر المساس بالخصوصية مع انتشار كاميرات المراقبة
أعرب المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه إزاء التوسع المتسارع في استعمال كاميرات المراقبة المتطورة داخل فضاءات عامة وخاصة يرتادها المواطن بشكل يومي، من قبيل المقاهي والعيادات والمصحات والمؤسسات التعليمية والوكالات البنكية والإدارات العمومية والقاعات الرياضية والشركات الخاصة، فضلا عن بعض المرافق ذات الطابع الحساس.
واعتبر المرصد في بلاغ له أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بمدى الحاجة إلى هذه الوسائل الأمنية في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى احترام الضوابط القانونية المؤطرة لاستعمالها، وضمان عدم تحولها إلى وسيلة تمس جوهر الحياة الخاصة.
وأكد المرصد أن الأمن يظل ضرورة لحماية الأشخاص والممتلكات، غير أن حماية الحياة الخاصة تظل التزاما دستوريا وقانونيا لا يقبل أي تجاوز.
وذكّر في هذا السياق بمقتضيات الفصل 24 من دستور المملكة المغربية الذي يضمن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة وحرمة اتصالاته، كما أشار إلى القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي يضع إطارا دقيقا لمعالجة الصور والتسجيلات الصوتية، من خلال إلزامية التصريح المسبق، وتحديد الغاية المشروعة، واحترام مبدأي الضرورة والتناسب، وضمان مدة احتفاظ محددة وآمنة بالمعطيات.
وسجل المرصد أن الإشكال يطرح بحدة أكبر داخل الفضاءات الحساسة التي ترتفع فيها درجة المخاطر الحقوقية. ففي العيادات والمصحات والمختبرات، حيث يتم تداول معطيات صحية شديدة الحساسية، يطرح التساؤل حول مدى احترام سرية الملفات والمحادثات الطبية، وإمكانية التقاط وثائق أو بيانات دون قصد.
أما داخل المؤسسات التعليمية التي تضم قاصرين، فيُطرح سؤال، حسب البلاغ الموافقة القانونية الواضحة، ومدى احترام الكرامة داخل الأقسام والممرات. وبالنسبة للوكالات البنكية ومؤسسات الأداء، حيث يتم تداول معطيات مالية دقيقة بشكل يومي.
وتساءل المرصد عما إذا كان توجيه الكاميرات يحترم سرية العمليات، وما إذا كان من الممكن أن تُلتقط تفاصيل حسابات أو معاملات مالية.
كما أشار البلاغ إلى مكاتب المهن الحرة، من قبيل المحامين والمفوضين القضائيين، حيث يحظى السر المهني بحماية قانونية خاصة، متسائلا عن مدى ضبط وجود كاميرات في فضاءات الاستقبال بضوابط واضحة تحمي سرية المعطيات.
وينطبق الأمر ذاته، حسب البلاغ على الإدارات العمومية التي يدلي فيها المواطن بوثائق شخصية ورقمية، ما يطرح مسألة ضمان عدم تحول التسجيلات إلى أرشيف دائم خارج الإطار القانوني. ولفت المرصد أيضا إلى القاعات الرياضية ومراكز التجميل باعتبارها فضاءات ذات طابع شخصي، متسائلا عن مدى احترام حدود الفضاءات الخاصة بشكل صارم.
وسجل المرصد المغربي لحماية المستهلك تنامي استعمال كاميرات عالية الدقة مزودة بخاصية التقريب وأحيانا تقنيات التقاط الصوت، ما يثير تساؤلات حول مدى خضوع هذا الاستعمال لمبدأ التناسب، وما إذا تم التصريح بهذه الأنظمة لدى الجهات المختصة، فضلا عن وجود إشعارات واضحة تُخبر المواطن بوجود التسجيل والغرض منه.
كما طرح تساؤلات بشأن الجهة المسؤولة عن معالجة التسجيلات، ومكان تخزينها، والمدة الزمنية للاحتفاظ بها.
وحذر المرصد من أن تحويل أداة أمنية إلى وسيلة مراقبة مفرطة أو غير مؤطرة قانونا يطرح إشكالا حقيقيا في مجال الحقوق الرقمية وحماية المعطيات الشخصية.
وذكّر في هذا السياق بدور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي باعتبارها الجهة المخول لها قانونا مراقبة مدى احترام قواعد حماية المعطيات، إلى جانب دور النيابة العامة والضابطة القضائية عند وجود أفعال قد تشكل مخالفات أو جرائم، وكذا السلطات الإدارية المختصة بمنح التراخيص ومراقبة شروط الاستغلال.
ووجه المرصد رسالة واضحة إلى مختلف المؤسسات مفادها أن تركيب كاميرا لا يمنح حقا مطلقا في التسجيل، مؤكدا أن القانون يفرض التصريح أو الترخيص، وتحديد الغاية المشروعة، واحترام مبدأي الضرورة والتناسب، وتأمين المعطيات ومنع تسريبها، وتمكين المواطن من ممارسة حقوقه القانونية.
كما دعا المواطنين إلى الانتباه لوجود إشعارات واضحة داخل الفضاءات الحساسة، والتساؤل عن مدى احترام خصوصيتهم، مذكرا بأن لكل شخص الحق في الولوج إلى معطياته وطلب تصحيحها أو حذفها وفق ما يتيحه القانون.
وختم المرصد بلاغه بالتأكيد على أن الخصوصية ليست ترفا، بل حق دستوري، وأن التكنولوجيا ينبغي أن تبقى في خدمة الإنسان لا أن تتحول إلى أداة رقابة غير متوازنة، مشددا على أنه سيظل يقظا، ملتزما بمقاربة قانونية ومؤسساتية دفاعا عن كرامة وحقوق المستهلك المغربي في إطار دولة الحق والقانون.