مع اقتراب العريضة الإلكترونية المطالِبة بالعودة إلى توقيت "غرينتش" من عتبة عشرة آلاف توقيع، يبدو أن الجدل حول الساعة الإضافية في المغرب ليغادر فضاء مواقع التواصل الاجتماعي نحو المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها البرلمان.
وتعد العريضة واحدة من أساليب الضغط الشعبي والمؤسساتي على الحكومة لمراجعة قرار اعتماد توقيت (GMT+1)، الذي ظل ساريا منذ سنة 2018، في ظل استمرار موجة من الانتقادات المرتبطة بتأثيراته الصحية والاجتماعية والأمنية.
وحتى مساء السبت 14 مارس، تجاوز عدد الموقعين على العريضة الإلكترونية 9400 موقع، في إطار حملة مدنية متنامية تسعى إلى إنهاء العمل بالتوقيت الإضافي والعودة إلى الساعة القانونية للمملكة "غرينتش".
ويرى القائمون على هذه المبادرة أن النقاش حول الزمن الرسمي للبلاد ينبغي أن يتحول إلى حوار وطني تشارك فيه مختلف التخصصات، من أطباء وباحثين وخبراء في التربية والاقتصاد، بهدف بلورة بدائل تحترم التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، وتستجيب لما يعتبرونه "تجاهلا حكوميا" لمطالب اجتماعية متكررة.
الجدل يصل إلى البرلمان
ومع اتساع النقاش العمومي، انتقلت القضية إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجه المستشار البرلماني خالد السطي مراسلة إلى رئيس الحكومة دعا فيها إلى تقييم شامل لقرار اعتماد الساعة الإضافية، متسائلا عن مبررات الاستمرار في العمل بهذا التوقيت، ومدى انسجامه مع صحة المواطنين وإيقاع حياتهم اليومية.
وبالتزامن مع هذا النقاش المتصاعد، أصدر المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، دراسة تحليلية حديثة تناولت سياسة التوقيت القانوني في المغرب وفق منهجية "تحليل الكلفة والمنفعة".
وخلصت الدراسة إلى أن المكاسب الاقتصادية المحدودة التي يروج لها المدافعون عن الساعة الإضافية تقابلها خسائر استراتيجية عميقة تمس الصحة العامة والأمن المجتمعي.
وأبرزت الدراسة أن اعتماد توقيت يبتعد عن التوقيت الشمسي الطبيعي يؤدي إلى ما يسمى بـ"التأخر الاجتماعي"، وهو حالة من عدم التوافق بين الساعة البيولوجية للإنسان والساعة القانونية.
ووفق المعطيات التي استندت إليها الدراسة، يفقد المغاربة في المتوسط نحو 19 دقيقة من النوم كل ليلة نتيجة هذا الاختلال الزمني، ما ينعكس على جودة النوم والتركيز والمردودية اليومية.
وتزداد حدة هذه التأثيرات لدى فئة المراهقين، التي تعد الأكثر تضررا، إذ تشير التقديرات إلى فقدانهم ما يقارب 32 دقيقة من النوم يوميا، الأمر الذي قد يؤثر على قدراتهم الذهنية ومستوى تحصيلهم الدراسي.
الصباح المظلم
وامتدت الدراسة إلى تحليل آثار الساعة الإضافية على السلامة الطرقية والأمن الاجتماعي. وأظهرت البيانات وجود علاقة بين الصباحات المظلمة وارتفاع وفيات حوادث السير بنسبة تصل إلى 21.8 في المائة.
كما أشارت الدراسة إلى أن اضطرار التلاميذ والطلبة والنساء إلى التنقل في ساعات مبكرة قبل بزوغ الفجر يفاقم الشعور بانعدام الأمن في الفضاء العام، خاصة في المناطق الهامشية والقروية، حيث ترتفع مخاطر التعرض للاعتداءات أو الحوادث.
اقتصاد اللاتزامن
اقتصاديا، فندت الدراسة الحجة التقليدية المرتبطة بتوفير الطاقة، مشيرة إلى أن التجارب الدولية أظهرت أن التوقيت الصيفي قد يؤدي في بعض الحالات إلى زيادة استهلاك الكهرباء السكني بنسبة تقارب 1 في المائة، نتيجة ارتفاع استعمال أجهزة التكييف في المساء.
كما نبهت إلى أن المكسب المتحقق من تقارب التوقيت مع أوروبا القارية يقابله انخفاض في ساعات التداخل مع مراكز مالية عالمية كبرى مثل لندن ونيويورك والصين، ما يخلق ما وصفته الدراسة بـ"اقتصاد اللاتزامن"، الذي قد ينعكس على حركة الأعمال والتجارة الدولية.
ويمتد هذا الاختلال الزمني، بحسب التحليل ذاته، إلى الاقتصاد المحلي غير المهيكل، مثل الأسواق الأسبوعية والأنشطة الفلاحية التي تعتمد أساسا على الإيقاع الشمسي، ما يجعلها أقل قدرة على التكيف مع الإيقاع الإداري الرسمي.
تجارب تراجعت عن الساعة
وفي سياق المقارنة الدولية، استحضرت الدراسة تجارب عدد من الدول التي قررت التراجع عن التوقيت الإضافي بعد تقييم علمي لتأثيراته.
ومن أبرز هذه التجارب روسيا التي عادت سنة 2014 إلى التوقيت القياسي بعد تسجيل ارتفاع في معدلات الاكتئاب واضطرابات النوم.
كما ذكرت الدراسة تجربة الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، عندما تم إلغاء العمل بالساعة الإضافية بعد عام واحد فقط من تطبيقها بسبب تصاعد الرفض الشعبي وارتفاع حوادث السير خلال الصباحات المظلمة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المكاسب المرتبطة بتوفير الطاقة تبقى محدودة للغاية، ولا تتجاوز في أفضل الحالات نسبة 1 في المائة، في مقابل تأثيرات أوسع على الصحة العامة والإنتاجية المجتمعية.
مراجعة محتملة؟
أوصى المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من آثار الساعة الإضافية، من بينها تأخير مواعيد الدخول المدرسي والإداري إلى الساعة التاسعة صباحا خلال فصل الشتاء.
ودعا إلى إطلاق نقاش عمومي شفاف يستند إلى المعطيات العلمية والدراسات المقارنة، بهدف إجراء تقييم موضوعي للأثر الحقيقي لهذه السياسة الزمنية على المجتمع والاقتصاد.