السنغال تطعن رسميا لدى "الطاس".. وقراءات قانونية ترجح تثبيت قرار "الكاف"
شهد ملف نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 تطوراً لافتاً، بعدما لجأ الاتحاد السنغالي لكرة القدم رسمياً إلى محكمة التحكيم الرياضية للطعن في القرار الصادر عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، والذي قضى باعتبار المنتخب المغربي فائزاً باللقب بنتيجة ثلاثة أهداف دون رد، إثر انسحاب المنتخب السنغالي من المباراة النهائية في لحظات حاسمة.
وأكدت المحكمة، في بلاغ رسمي، توصلها بالطعن وبدء الإجراءات الأولية المرتبطة بتشكيل هيئة التحكيم، مع الإشارة إلى أن المسطرة لا تزال في مراحلها الأولى، حيث سيتم في الخطوة المقبلة تعيين هيئة تحكيم مستقلة لدراسة الملف، قبل تحديد جدول زمني دقيق لباقي مراحل التقاضي.
ويطالب الاتحاد السنغالي بإلغاء قرار “الكاف” وإعلانه بطلاً للمسابقة، مع التماس تأجيل تقديم المذكرات التفصيلية إلى حين التوصل بالحيثيات الكاملة للحكم، الذي صدر في صيغته المختصرة دون تعليل مفصل، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إعادة فتح الملف من زاوية قانونية جديدة.
وفيما يتعلق بتعليق الآجال المقدم من الجانب السنغالي، أكد الطاس في بلاغه، أنه لا يمكن في الوقت الراهن تحديد موعد نهائي للجلسة أو الحسم في الجدول الزمني للإجراءات.
وفي خضم هذا الجدل، برزت قراءة قانونية متخصصة قدمها الخبير الفرنسي رومان بيزيني، الذي أكد في تصريحات لصحيفة ماركا أن حظوظ السنغال في كسب الطعن تبدو محدودة، بالنظر إلى الطبيعة الصارمة التي تعتمدها الهيئات القضائية الرياضية في تفسير النصوص المنظمة للمنافسات.
وأوضح بيزيني أن القرار الصادر عن “الكاف” يستند إلى مقتضيات قانونية واضحة، خاصة المادتين 82 و84 من لوائح كأس أمم إفريقيا، واللتين تنصان بشكل صريح على اعتبار الفريق منهزماً في حال انسحابه من المباراة أو رفضه مواصلة اللعب، مع اعتماد نتيجة ثلاثة أهداف دون مقابل ضده، وهو ما يجعل القرار، من وجهة نظر قانونية، قائماً على أساس متين.
وأضاف الخبير ذاته أن محاولة الدفاع السنغالي الارتكاز على “روح القانون” بدل نصوصه قد لا تكون كافية لإقناع هيئة التحكيم، التي تميل في الغالب إلى تطبيق القواعد بشكل حرفي، حفاظاً على استقرار المنافسات وتفادي خلق سوابق قانونية قد تؤثر على مصداقية القرارات الرياضية مستقبلاً.
وفي تحليله لمجريات الواقعة، شدد بيزيني على أن مغادرة أرضية الميدان، حتى وإن جاءت في سياق احتجاجي، تُعد في حد ذاتها مخالفة قائمة، بغض النظر عن نية الفريق في العودة لاحقاً، موضحاً أن غياب نص صريح يسمح باستئناف المباراة بعد الانسحاب يعزز من فرضية تثبيت القرار الحالي.
كما أشار إلى أن الدفع المرتبط بعدد اللاعبين داخل أرضية الميدان، والذي يستند إلى قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم، قد لا يغير من جوهر القضية، لأن المسألة الأساسية، بحسبه، تتعلق بفعل الانسحاب ذاته وليس فقط بشروط استمرار المباراة.
وأكد بيزيني أن الطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية لا يترتب عنه أي أثر توقيفي تلقائي، ما يعني أن المنتخب المغربي يظل بطلاً رسمياً إلى حين صدور حكم مخالف، مشيراً إلى أن تعليق تنفيذ القرار يظل إجراء استثنائياً يتطلب شروطاً صارمة، من بينها إثبات ضرر لا يمكن جبره.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن المسطرة أمام محكمة التحكيم الرياضية تمر بعدة مراحل، تبدأ بإيداع طلب الطعن داخل أجل محدد لا يتجاوز عشرة أيام، مرفقاً بالرسوم القانونية، قبل تقديم مذكرة تفصيلية تتضمن الدفوعات القانونية، على أن تلي ذلك مرحلة التحقيق التي قد تمتد ما بين ستة وتسعة أشهر، يتم خلالها فحص الوثائق الرسمية والتقارير التحكيمية، مع إمكانية الاستماع إلى شهادات الحكم أو اللاعبين أو المسؤولين، قبل إصدار القرار النهائي في مرحلة لاحقة.
وبخصوص السيناريوهات المحتملة، استبعد الخبير القانوني إمكانية إعادة المباراة، معتبراً أن هذا الخيار يظل بعيداً في ظل وضوح النصوص التي تحدد العقوبة بشكل مباشر في حالات الانسحاب، دون فتح المجال أمام إعادة اللقاء.
وبحسب التقييم القانوني الذي قدمه بيزيني في حواره، فإن المعطيات الحالية تميل بوضوح لصالح المغرب بنسبة تقارب 75 في المائة، بالنظر إلى وضوح النصوص المؤطرة لحالات الانسحاب، مقابل هامش محدود للنقاش يرتبط بتفسير بعض المفاهيم، مثل تعريف الفريق القانوني أو أثر استئناف المباراة، وهي عناصر لا تبدو كفيلة بتغيير الاتجاه العام للملف.
وكان مجلس الاستئناف التابع للاتحاد الإفريقي لكرة القدم قد أصدر قراراً حاسماً قضى باعتبار منتخب السنغال منهزماً في المباراة النهائية بنتيجة ثلاثة أهداف دون مقابل، مع اعتماد النتيجة لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وذلك تطبيقاً لمقتضيات المادة 84 من لوائح المسابقة، بعد قبول الاستئناف المغربي شكلاً ومضموناً وإلغاء القرار السابق للجنة الانضباط.
وشملت قرارات الهيئة ذاتها جوانب تأديبية موازية، من بينها تعديل العقوبة الصادرة في حق اللاعب إسماعيل الصيباري، مع تقليص مدة الإيقاف وإلغاء الغرامة المالية، إضافة إلى تخفيض غرامات مرتبطة بحوادث تنظيمية شهدتها المباراة، من قبيل واقعة جامعي الكرات واستعمال أشعة الليزر، مقابل الإبقاء على عقوبات أخرى مرتبطة بالتدخل في محيط تقنية الفيديو المساعد.
وتعود تفاصيل هذه القضية إلى الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، التي شهدت توتراً كبيراً عقب إعلان الحكم عن ضربة جزاء لصالح المنتخب المغربي خلال الوقت بدل الضائع، وهو قرار يدخل ضمن صلاحياته التقديرية.
غير أن رد فعل الجهاز الفني للمنتخب السنغالي، الذي دعا لاعبيه إلى مغادرة أرضية الميدان احتجاجاً، شكّل نقطة التحول الأساسية في مسار اللقاء، وأسس لنزاع قانوني معقد امتد إلى مختلف الهيئات الكروية.
وتزامنت هذه الواقعة مع حالة من الفوضى في مدرجات الجماهير، ما أثر على السير العادي للمباراة وأثار مخاوف مرتبطة بالسلامة والتنظيم، وهو ما عزز من تعقيد الملف على المستوىين الانضباطي والقانوني.
في المحصلة، يعكس هذا النزاع واحدة من أبرز القضايا القانونية في تاريخ المنافسات الإفريقية، حيث يتداخل البعد الرياضي مع التعقيد القانوني، في انتظار الحسم النهائي من محكمة التحكيم الرياضية، وسط ترقب واسع لمآلات هذا الملف الذي قد يرسم سابقة قانونية مهمة في كرة القدم القارية.