تحذير.. التحول الديمغرافي يهدد التنمية

الكاتب : عبد اللطيف حيدة

29 مارس 2026 - 01:00
الخط :

حذر المرصد الوطني للتنمية البشرية من تداعيات عدم مواكبة التحولات الديمغرافية المتسارعة التي يشهدها المغرب، منبها إلى أن ضعف الاستثمار في التعليم والصحة وسوق الشغل قد يقوض فرص تحقيق تنمية مستدامة ودامجة، ويفوت على البلاد الاستفادة من العائد الديمغرافي.

وأشار المرصد، في مذكرة سياسات حديثة بعنوان "التحولات الديمغرافية: إعداد مغرب الغد"، إلى أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تكشف عن تحول عميق في البنية الديمغرافية والسوسيو-اقتصادية.

واعتبر أن هذه التحولات ترسم ملامح مرحلة جديدة تستوجب إعادة توجيه السياسات العمومية.

تباطؤ النمو وارتفاع الشيخوخة

وسجل المرصد منحى تنازليا في نمو السكان مقابل ارتفاع أمد الحياة، ما أدى إلى زيادة الثقل الديموغرافي لفئة المسنين. وحذر من أن الشيخوخة أصبحت مكونا بنيويا في المجتمع المغربي.

كما لفت إلى أن انخفاض الخصوبة دون عتبة الاستبدال ساهم في تقلص حجم الأسر وتعزيز نموذج الأسرة النووية.

وفي السياق ذاته، نبه إلى تسارع وتيرة التمدن. ودعا إلى جعل قضايا التعمير في صلب الأولويات، في ظل الضغط المتزايد على المدن لاستيعاب تدفقات سكانية متنامية.

تفاوتات مقلقة

وأبرزت المذكرة دينامية قوية للهجرة الداخلية نحو الأقطاب الحضرية، خاصة على المحور الأطلسي الممتد من طنجة إلى أكادير، مقابل ضعف جاذبية بعض المناطق. وحذر من اتساع الفوارق المجالية وتراجع المراكز الصغرى.

كما سجل المرصد نموا ديمغرافيا غير متكافئ بين الجهات، حيث تستقطب ضواحي المدن الكبرى أكبر نسب النمو، في حين يعاني العالم القروي من تباطؤ ديمغرافي متفاقم بفعل التغيرات المناخية، التي تعزز الهجرة القروية.

محددان حاسمان

وأشار المرصد إلى أن التحولات الديمغرافية لا يمكن فصلها عن تأثيرات التغير المناخي والثورة الرقمية، معتبرا أن هذين العاملين يشكلان إطارا ضاغطا يفرض إعادة التفكير في النماذج التنموية.

وشدد على أن التحديات المستقبلية تقتضي استحضار الآثار بعيدة المدى لهذه التحولات، خاصة في ظل انخفاض معدل المواليد وبروز أنماط اجتماعية جديدة، من قبيل تصاعد العزوبية وإعادة تشكيل الأسرة.

اختلال في الهرم 

وسجل المرصد اختلالا متزايدا في بنية الهرم السكاني، حيث تراجع وزن الشباب مقابل ارتفاع نسبة المسنين، محذرا من انعكاسات ذلك على سوق الشغل وأنظمة الحماية الاجتماعية.

ودعا في هذا الإطار إلى إدخال مرونة تنظيمية تمكن من رفع معدل نشاط كبار السن والاستفادة من خبراتهم، مؤكدا أن التوازن المستقبلي للحماية الاجتماعية رهين بإدماج هذه الفئة.

كما أوصى بالانتقال من منطق إطالة العمر إلى تحسين جودة العيش، عبر تطوير المنظومة الصحية وتعزيز مفهوم "اقتصاد الرعاية" كقطاع واعد.

الإدماج وتأثيرات الرقمنة

ونبه المرصد إلى اختلالات بنيوية في التعليم والتكوين والإدماج المهني، مشيرا إلى محدودية الفرص واتساع القطاع غير المهيكل.

كما لفت إلى التأثيرات المتزايدة للثورة الرقمية، خاصة على الصحة النفسية، محذرا من تداعيات سوء استخدام التكنولوجيا. وأكد أن الرهان يكمن في حسن توظيفها.

مراجعة السياسات

وسجل المرصد تراجع حجم الأسرة وظهور أنماط جديدة في التنشئة، من بينها بروز مفهوم "الطفل الملك"، داعيا إلى إعادة التفكير في أدوار المدرسة والأسرة في بناء قيم المواطنة.

وفي ما يخص التمدن، شدد على ضرورة اعتماد مقاربة قائمة على المرونة المناخية، عبر تحسين جودة السكن وتوفير المساحات الخضراء، محذرا من هشاشة البنية الحضرية أمام التقلبات المناخية.

إصلاحات عميقة 

وأكد المرصد أن الاستثمار في الرأسمال البشري يشكل المدخل الأساسي لمواكبة هذه التحولات، داعيا إلى إصلاح منظومة التعليم والتكوين، وتعزيز الإدماج في سوق الشغل، والحد من هجرة الكفاءات.

كما أوصى بتطوير المنظومة الصحية، وتوسيع خدمات الرعاية، واعتماد حكامة مجالية في التعمير، إلى جانب تعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة ظاهرة العزوبية وما يرتبط بها من مخاطر الوحدة.

رهان التحول 

وخلص المرصد إلى أن المغرب يمتلك فرصا حقيقية للاستفادة من انتقاله الديمغرافي، شريطة اعتماد حكامة فعالة قائمة على جودة التعليم وصون الصحة، محذرا من أن غياب هذه الشروط قد يحول هذه التحولات من فرصة إلى مصدر اختلالات عميقة.

آخر الأخبار