اختلالات التخطيط الحضري تزيد الضغط على الحكومة قبل نهاية الولاية
يتجه المغرب، على غرار عدد من الدول الصاعدة، إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي الحضري في سياق عالمي تتزايد فيه أهمية التقنيات الحديثة في تدبير الشأن العام وتحسين جودة العيش داخل المدن.
وفي هذا الإطار، برز مفهوم “المدن الذكية” كخيار استراتيجي يراهن عليه صناع القرار لتحديث البنيات التحتية وتعزيز نجاعة الخدمات العمومية، عبر توظيف التكنولوجيات الرقمية وأنظمة الاتصال المتطورة في مختلف المجالات الحضرية.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحولات عميقة تعرفها المدن المغربية، التي أصبحت تضطلع بأدوار محورية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يفرض تبني نماذج تدبيرية جديدة قادرة على مواكبة هذا التطور المتسارع.
غير أن الانتقال نحو مدن ذكية لا يقتصر على إدماج التكنولوجيا فقط، بل يتطلب رؤية شمولية تدمج البعد التشريعي والمؤسساتي والمالي، وتراعي في الآن ذاته التوازنات المجالية وتحديات العدالة الرقمية.
وفي هذا السياق، عاد النقاش حول السياسة العمومية المرتبطة بالمدن الذكية إلى واجهة البرلمان، حيث وجهت النائبة البرلمانية ثورية العزاوي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، سلسلة من التساؤلات إلى الحكومة بشأن الرؤية الاستراتيجية المعتمدة في هذا المجال.
وركزت هذه التساؤلات على مدى توفر تصور حكومي مندمج لاعتماد نموذج المدن الذكية، وكذا مستوى تقدم إعداد إطار تشريعي وتنظيمي موحد يؤطر هذا الورش، في ظل تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات بين مختلف الفاعلين.
كما أثارت النائبة البرلمانية إشكالية العدالة المجالية، محذرة من مخاطر تعميق الفوارق الرقمية بين الجماعات الترابية، خاصة في ظل التباين الواضح في الإمكانيات والبنيات التحتية بين المدن الكبرى والمناطق الأقل حظا.
ويطرح هذا المعطى تحدياً حقيقياً أمام صناع القرار، إذ إن نجاح أي استراتيجية رقمية يظل رهيناً بقدرتها على تحقيق إدماج فعلي وشامل لكافة المجالات، دون إقصاء أو تهميش.
وبموازاة ذلك، يبرز عامل التمويل كأحد المحددات الأساسية لإنجاح مشاريع المدن الذكية، بالنظر إلى الكلفة المرتفعة التي تتطلبها البنيات التحتية الرقمية والتجهيزات التكنولوجية.
وفي هذا الصدد، تساءلت النائبة ذاتها عن الموارد المالية المرصودة حالياً لهذا الورش، وإمكانية إحداث صندوق وطني خاص بتمويل مشاريع المدن الذكية، إضافة إلى طبيعة التحفيزات الجبائية والمالية الموجهة لدعم المقاولات الناشئة العاملة في هذا المجال، باعتبارها شريكاً أساسياً في تطوير الحلول الرقمية المبتكرة.
وفي سياق متصل، يطرح التوسع في اعتماد الأنظمة الرقمية داخل المدن إشكاليات متزايدة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني، خاصة في ظل الاعتماد المكثف على جمع ومعالجة البيانات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية.
وقد استأثر هذا الجانب بحيز مهم من النقاش البرلماني، حيث تم التساؤل حول الضمانات القانونية والتقنية المعتمدة لحماية المعطيات الشخصية، ومدى ملاءمة مشاريع المدن الذكية مع مقتضيات القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، إضافة إلى التدابير المتخذة لتعزيز الأمن السيبراني على المستوى المحلي.
وفي موازاة هذا النقاش المرتبط بالتحول الرقمي، عاد ملف التعمير إلى صدارة الجدل العمومي، في ظل استمرار تعثر عدد من وثائق التخطيط الحضري، وعلى رأسها تصاميم التهيئة، التي تشكل أداة أساسية لتنظيم المجال العمراني وتوجيه الاستثمارات.
ويكتسي هذا الملف أهمية مضاعفة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية التي يقودها عزيز أخنوش، حيث يتحول إلى مؤشر دال على حصيلة التدبير العمومي في بعده الترابي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود تأخر ملحوظ في إعداد والمصادقة على تصاميم التهيئة بعدد من المدن الكبرى، وهو ما ينعكس سلبا على مناخ الاستثمار ويؤدي إلى تعطيل مشاريع عقارية وتنموية، فضلا عن خلق حالة من عدم اليقين القانوني لدى الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين.
وقد انتقل هذا الملف بدوره إلى المؤسسة التشريعية، حيث بادر النائب البرلماني نبيل الدخش، عن حزب الحركة الشعبية، إلى مساءلة الحكومة حول أسباب هذا التعثر وتداعياته.
وسلط النائب الضوء على ما وصفه بتراكم الملفات العالقة على مستوى المصالح المركزية، خاصة داخل مديرية التعمير، مشيراً إلى أن مدنا كبرى تعرف دينامية عمرانية متسارعة لا تزال تنتظر إخراج وثائق التعمير الخاصة بها، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة مساطر المعالجة الإدارية وقدرة الإدارة على مواكبة الطلب المتزايد على التخطيط الحضري.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن ورش المدن الذكية والتخطيط العمراني يواجهان تحديات متقاطعة، تجمع بين رهانات التحديث الرقمي وإكراهات الحكامة الترابية، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة مندمجة قادرة على تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي ومتطلبات التأطير القانوني وضمان العدالة المجالية.
كما يضع هذا الواقع الحكومة أمام اختبار حقيقي في ما تبقى من عمر ولايتها، من خلال قدرتها على تسريع وتيرة الإصلاحات وتقديم إجابات ملموسة على انتظارات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، في أفق بناء مدن أكثر ذكاءً واستدامة.