حينما يتسيد المختلون المشهد في العالم الافتراضي
سمير الحيفوفي
مرحبا بنا جميعا في زمن يتسيد فيه "أبطال" من ورق، ويخلقون الـ"بوز"، من وراء شاشة الهاتف أو خلف أزرار الحاسوب، وهم يهيمون على وجوههم في دنيانا ويرتعون بكل ما أوتوا من صفاقة في عالم الأنترنيت، منتحلين لأنفسهم كل معايير "الزعامة الافتراضية" التي يسبغها عليهم خيالهم المريض.
ومن النصاب "هشام جيراندو" مرورا بمؤرخ آخر الزمان "المعطي منجب" وصولا إلى "الطاهر سعدون"، وأمثالهم نجد أن زمننا بلغ من الإسفاف حدا أصبحت فيه الـ"لايفات" بديلا عن الواقع، ليفرز لنا "ثوار" افتراضيون و"حراس" مزعومون للفضيلة، إذ أن بعضهم يسقط الدول بضغطة زر، وآخرون يوزعون صكوك الغفران على من يشاؤون أو على الأقل هكذا يتخيلون.
والحق يقال أن ما خرج علينا في زمن السوء هذا، يستحق دراسة علمية، أكثر مما جادت به دراسة "سيغموند فرويد"، في تشخصيه لمكونات النفس البشرية، متى تعلق الأمر بمثل النصاب "هشام جيراندو"، الذي بلغ به العته مبلغا جعله يظن نفسه قادرا على تغيير معالم المغرب، وتأليب شعبه الوفي على مؤسساته، مثلما تمادى ونصب نفسه محاربا للدولة ولأجهزتها وبأنه قادر على إحراق كل شيء بعود ثقاب في جيبه.
وكما ادعى النصاب الهارب إلى كندا أنه مهندس حركة "مغرب الغد"، التي لا يعرفها أحد، ولا يعترف بها أحد، فإنه كان يتحدث، بعدما لعبت الخمرة بعقله، ووسوست له نفسه الأمارة بالسوء، بكل ثقة عن قدرته العجيبة على إسقاط الأنظمة عن بعد، لينزل إلى درك المأفون الزائغ الذي يستحق الحجر وإيداع مؤسسة للأمراض العقلية أو تكبيله بسلاسل "بويا عمر" لعله يهتدي للصواب، وينزل من ظهر الوهم الذي يتملكه.
لكن إن تعلق الأمر بـ"المعطي منجب"، ففي حالته ما يبعث على الشفقة، وقد هاج علينا بخرجة ارتدى فيها رداء "منقذ الأمة" وحامل لواء تجنيبها حربا أهلية وقائدا هماما حال دون اشتعال البلاد وحرق العباد بلظى الإرهاب، ليكون نموذجا حيا لـ"البطل الذي لم يطلب منه أحد شيئا، لكنه أنجز كل شيء".
وكما نعرف "المعطي منجب" مثقلا، وفق المتحقق منه، بتهم ثقيلة تنحاز لمحاولة إغراق البلاد لصالح أعدائها، إلا أنه في روايته الخاصة، وفي جلسة كوميدية مع المهرطق "حميد المهدوي"، أتحفنا بكذبة لا تستقيم في غير عقله الأعوج، وهو يحيلنا على أنه كان منشغلا ومشغولا بإنقاذ البلاد من الإرهاب.
ولعل ترك الحبل على الغارب للـ"المعطي منجب"، قد يزيد من حمأة الأوهام عند مؤرخ آخر الزمان، وقد نكتشف معه، إن استمر على نفس المنوال، أنه من طرد الديناصورات من على وجه البسيطة في الزمن الغابر، وهو من اخترع الأنترنيت في زمننا الحاضر.
ثم هناك "الطاهر سعدون"، الدركي المتقاعد الذي نصب نفسه حارسا على الأخلاق في المغرب، لابسا لبوس التقية، تارة ومرتديا بزة الـ"سوبرمان" الذي يحمل على أكتافه أعباء الجميع وكأنه في مهمة كونية، بينما في خبايا من يدور حوله ما يشي بالكثير من الخزي والعار.
إنها نماذج ممن جاد علينا بهم زمن السوء، ومن يؤثثون لعبثية قميئة، يتحدثون باسم الشعب بينما الشعب لا يعرفهم، أما القاسم المشترك بينهم وأمثالهم جميعا، ليس فقط الجرأة على الكذب، بل الإصرار على تصديقه، وقد خلقوا لأنفسهم هالات مرضية يسبحون فيها، في انتظار الصبح "أليس الصبح بقريب".