بين إشادة الأغلبية وانتقادات المعارضة.. تقييم الحصيلة الحكومية يشعل النقاش البرلماني
تبادلت مكونات الأغلبية والمعارضة بمجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، مواقف متباينة بشأن حصيلة عمل الحكومة خلال الولاية الحالية، وذلك في جلسة عمومية خُصصت لمناقشة العرض الذي قدمه رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان، في سياق سياسي يتسم بقرب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد النقاش حول الأثر الفعلي للسياسات العمومية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، اعتبرت فرق الأغلبية أن ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل “منجزاً تاريخياً وغير مسبوق”، مشددة على أن الحكومة نجحت في تدبير مرحلة دقيقة اتسمت بتداخل الأزمات الداخلية والخارجية، من تداعيات الجائحة إلى التحولات الجيوسياسية وارتفاع الأسعار عالمياً، مؤكدة أن هذه الظرفية لم تمنع من تحقيق إصلاحات وُصفت بالهيكلية، خاصة في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والاستثمار.
كما دافعت عن حصيلة الحكومة في مواجهة ما وصفته بخطاب “التبخيس والتيئيس”، معتبرة أن الانتقادات الصادرة عن بعض مكونات المعارضة تتجاهل، بحسب تعبيرها، التحولات التي شهدتها البلاد والأثر التدريجي للإصلاحات على حياة المواطنين.
وأكد رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، محمد البكوري، أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط بأرقام أو معطيات قطاعية، بل بحصيلة مرحلة سياسية كاملة تميزت، حسب قوله، بالتكامل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، مبرزاً أن عرض الحصيلة الحكومية مرتين خلال الولاية يعكس التزاماً فعلياً بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأوضح أن هذه التجربة تأتي في امتداد لمسار البناء الديمقراطي الذي أرساه دستور 2011، معتبراً أن الحكومة نجحت في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وتعزيز الشفافية، إلى جانب إطلاق أوراش كبرى همت تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية وتحفيز الاستثمار ودعم التشغيل.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن الحصيلة الحكومية لا ينبغي أن تُقاس فقط بالمؤشرات الرقمية، بل بمدى انعكاسها على الواقع المعيشي للمواطنين، مبرزاً أن الحكومة اعتمدت مقاربة قائمة على “إعلاء حس المسؤولية” والابتعاد عن السجالات السياسية الضيقة، مع الحفاظ على انسجام مكوناتها رغم الضغوط والتحديات.
من جانبها، شددت عضو فريق الأصالة والمعاصرة، فاطمة السعدي، على أن الحصيلة الحكومية تعكس نجاعة الاختيارات الاستراتيجية وقدرة السلطة التنفيذية على التوفيق بين تنزيل الأوراش الكبرى والتفاعل مع المستجدات الطارئة، معتبرة أن هذه اللحظة تشكل محطة ديمقراطية متقدمة تعكس نضج الحوار المؤسساتي.
وأبرزت أن ما تحقق من نتائج جاء مدعوماً بالأرقام والحجج، وأن المواطن المغربي، وفق تعبيرها، قادر على التمييز بين الخطاب الشعبوي والعمل الواقعي.
وفي السياق ذاته، أكد عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، عبد القادر الكيحل، أن تقييم الحصيلة الحكومية ينبغي أن يتم بمنطق المسؤولية المشتركة، بعيدا عن التبرير أو التهوين، مبرزا أن الحكومة اشتغلت في ظروف استثنائية وتمكنت من تدبيرها دون ارتباك، مع تحويل جزء من تداعياتها إلى فرص لإعادة ترتيب الأولويات.
وأضاف أن الحكومات لا يُطلب منها منع الأزمات بقدر ما يُنتظر منها حسن إدارتها، مشيراً إلى أن ما تحقق في مجالات الإصلاح الاقتصادي وتعزيز جاذبية الاستثمار يعكس تقدما ملموساً، رغم استمرار بعض التحديات.
وعلى الطرف المقابل، قدمت فرق المعارضة تقييماً أكثر انتقاداً للحصيلة الحكومية، حيث اعتبر رئيس الفريق الحركي، امبارك السباعي، أن الأداء الحكومي لم ينجح في الحد من ارتفاع الأسعار أو تقليص البطالة، مسجلا تراجعا في مؤشرات النمو وارتفاعاً في العجز التجاري وعدد المقاولات المتعثرة، معتبراً أن الطبقة المتوسطة تأثرت بشكل كبير بهذه التطورات.
وفي الاتجاه ذاته، رأى رئيس الفريق الاشتراكي، يوسف ايذي، أن هناك فجوة واضحة بين الالتزامات التي أعلنتها الحكومة في بداية ولايتها والنتائج المحققة، خاصة في ما يتعلق بإحداث مناصب الشغل وتنزيل ورش الحماية الاجتماعية، مشيراً إلى أن الأرقام المقدمة لا تعكس بشكل كافٍ الأثر الفعلي على حياة المواطنين.
كما انتقد ممثلو المركزيات النقابية في الغرفة الثانية، من بينهم نور الدين سليك ولحسن نازهي، ما وصفوه باستمرار الضغط على القدرة الشرائية وغياب إجراءات فعالة لضبط الأسعار، مؤكدين أن مخرجات الحوار الاجتماعي لم ترق إلى مستوى الانتظارات، في ظل استمرار مطالب الزيادة العامة في الأجور وإصلاح منظومة التقاعد.
وسجلت المعارضة أيضا ملاحظات بشأن ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء، معتبرة أن البرامج الحكومية لم تحقق النتائج المرجوة في هذا المجال، وأن جزءاً من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية لا يزال معلقاً، مما يستدعي، بحسب تعبيرها، مراجعة السياسات المعتمدة واعتماد إجراءات أكثر نجاعة وواقعية.
وبين إشادة الأغلبية بقدرة الحكومة على الصمود وتحقيق الإصلاحات في سياق دولي معقد، وانتقادات المعارضة التي تركز على كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، تعكس مناقشة الحصيلة الحكومية بمجلس المستشارين استمرار التباين في تقييم الأداء العمومي، في وقت يترقب فيه الرأي العام مآلات هذه النقاشات وانعكاساتها على المرحلة المقبلة، سواء على مستوى السياسات العمومية أو التوازنات السياسية المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية القادمة.