رئاسة الحكومة أو المعارضة.. هل تفتح كلمة بنكيران باب التأويل حول حظوظ حزبه انتخابيا؟
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، تتصاعد وتيرة الحركية السياسية داخل مختلف الأحزاب المغربية، في سياق يتسم بعودة قوية لمنطق التنافس الانتخابي وسعي الفاعلين الحزبيين إلى إعادة ترتيب أوراقهم التنظيمية والتواصلية.
وقد عكست الفترة الأخيرة دينامية لافتة من خلال تكثيف اللقاءات الجهوية والإقليمية وتنظيم الأنشطة الميدانية، سواء من طرف أحزاب الأغلبية أو المعارضة، التي تعمل على تعزيز حضورها واستعادة زخمها في أفق محطة انتخابية توصف بالحاسمة.
في هذا السياق، برزت مواقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية، الذي اختار الاصطفاف في المعارضة، حيث وجّه انتقادات حادة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، متهماً إياه بمحاولة طمس إخفاقاته المرتبطة بفترة مشاركته في الحكومات السابقة، بما فيها الحكومة التي ترأسها سعد الدين العثماني، معتبراً أن تقديم الحصيلة الحكومية قبل موعدها يعكس حالة من الاستسلام السياسي والهروب إلى الأمام.
ومشيراً إلى أن رئيس الحكومة قد يغادر المشهد “من الباب الصغير” في ظل ما وصفه بغياب الإنصاف والمعقولية في تدبير الشأن العام.
وخلال ندوة صحافية نظمها الحزب لتقييم الأداء الحكومي، صعّد بنكيران من لهجته منتقداً ما اعتبره تفاقماً لظاهرة تضارب المصالح داخل الحكومة الحالية، مشيراً إلى أن حضور رجال الأعمال في الحكومات السابقة لم يبلغ، بحسب تعبيره، مستوى التداخل الحالي بين السلطة والمال.
واستحضر في هذا الإطار ملفات مرتبطة بصفقات اقتصادية كبرى، من بينها مشاريع تحلية مياه البحر، إضافة إلى صفقات في قطاع الأدوية، معتبراً أن مثل هذه القضايا، في حال تأكدت، كان ينبغي أن تفضي إلى تحمّل المسؤولية السياسية.
كما توقف عند ما وصفه بتحولات في نمط تدبير المال العام، مشيراً إلى أن معايير الإنفاق داخل الجهاز الحكومي تغيرت بشكل لافت، مقارنة بفترة توليه رئاسة الحكومة، وهو ما اعتبره مؤشراً على اختلال في تدبير الموارد العمومية.
وفي المقابل، لم يُخفِ إدراكه لصعوبة المرحلة المقبلة، مؤكداً أن عودة حزبه المحتملة إلى قيادة الحكومة لن تكون مهمة سهلة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
وبموازاة ذلك، رسم بنكيران ملامح تموقع حزبه بعد انتخابات 2026، واضعاً خيارين لا ثالث لهما: إما تصدر المشهد الانتخابي وقيادة الحكومة، أو الانتقال إلى معارضة وصفها بـ”الصارمة والمرة والصادقة”.
ويعكس هذا الموقف توجها نحو القطع مع أي تموقع وسطي، وإعادة بناء الخطاب السياسي للحزب على أساس الوضوح والحسم، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين بعد مرحلة من التراجع.
وفي سياق متصل، دعا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المواطنين إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة في الاستحقاقات المقبلة، معتبراً أن العملية الانتخابية تظل تعبيراً عن إرادة الناخبين.
ومؤكداً أن الاختيار الذي أفرز الأغلبية الحالية كان نتيجة تصويت المواطنين، رغم ما قد يشوب العملية من اختلالات محدودة.
كما شدد على خصوصية التجربة الديمقراطية المغربية، مبرزاً أن النظام السياسي يتيح هامشاً للعمل والمبادرة رغم مركزية بعض المؤسسات.
وفي تفاعل سريع مع مخرجات الندوة الصحافية، تداول عدد من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مضامين كلمة بنكيران، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبر أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية يعتمد في هذه المرحلة خطابا نقديا حاداً تجاه الحكومة بهدف إعادة تلميع صورته السياسية واستعادة موقعه داخل المشهد الحزبي، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات، وبين من رأى أن هذا التصعيد يعكس محاولة واضحة للعودة إلى الواجهة عبر توجيه انتقادات مباشرة للأغلبية الحالية.
في المقابل، ذهب رأي آخر إلى أن تصريحات بنكيران تحمل قراءة استباقية لنتائج الاستحقاقات المقبلة، حيث يرى أصحاب هذا التوجه أن زعيم الحزب يدرك صعوبة تصدر المشهد الانتخابي، وهو ما يفسر تأكيده المتكرر على خيار المعارضة واستعداده لمواصلة الاصطفاف فيها، معتبرين أن هذا الخطاب يعكس توجهاً واقعياً يروم إعادة بناء موقع الحزب تدريجياً بدل التعويل على فوز انتخابي كاسح.
في خضم هذا السجال السياسي المتصاعد، يبدو أن حزب العدالة والتنمية يسعى إلى إعادة تموقعه داخل المشهد الحزبي عبر خطاب أكثر حدة ووضوحاً، مستفيداً من اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ومن حالة الترقب التي تسود جزءاً من الرأي العام.
وبين خيار العودة إلى قيادة الحكومة أو خوض معارضة قوية، يضع الحزب نفسه أمام اختبار مزدوج يتمثل في استعادة ثقة الناخبين وإقناعهم بقدرته على تقديم بديل سياسي قادر على مواجهة التحديات الراهنة، في سياق سياسي مفتوح على مختلف الاحتمالات.