أسعار المحروقات تشعل النقاش داخل البرلمان والحكومة تنفي وجود احتكار

الكاتب : انس شريد

27 أبريل 2026 - 06:30
الخط :

عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تسجيل زيادات متتالية في أسعار الغازوال والبنزين، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بشأن مآل هذه الارتفاعات وإمكانية عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، خاصة بالنظر إلى الأثر المباشر لهذا القطاع الحيوي على القدرة الشرائية للأسر وكلفة الإنتاج والنقل داخل الاقتصاد الوطني.

وتأتي هذه التطورات في سياق دولي يتسم باستمرار التقلبات في أسواق الطاقة، حيث تزامنت الزيادات المسجلة داخلياً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في محيط مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، ما ساهم في رفع منسوب القلق بشأن استقرار التموين العالمي وانعكاساته على الأسعار في الأسواق الوطنية.

وقد تراوح سعر برميل النفط خلال الأسابيع الأخيرة بين 100 و110 دولارات، بزيادة تتراوح بين 40 و60 في المائة مقارنة بمستويات سابقة، وفق تقديرات خبراء في قطاع الطاقة.

ورغم ارتباط جزء من هذه الزيادات بالعوامل الخارجية، فإن حدة الارتفاعات داخل المغرب أعادت إلى الواجهة النقاش حول فعالية نموذج تحرير أسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2015، في ظل غياب آليات تنظيمية أكثر صرامة لضبط السوق.

ويرى عدد من الفاعلين السياسيين والنقابيين أن ترك الأسعار لمنطق العرض والطلب دون تدخل كافٍ يفاقم من الأعباء المعيشية للمواطنين، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو في بعض القطاعات الإنتاجية.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أن سوق المحروقات في المغرب لا يعرف وضعية احتكار، مشيرة إلى أن أكثر من 10 شركات تنشط في هذا القطاع، وهو ما يستبعد، بحسب قولها، وجود تركيز مفرط.

وأوضحت أن معايير الاحتكار ترتبط بوجود شركتين أو ثلاث شركات فقط، وهو ما لا ينطبق على الحالة المغربية، مبرزة أن الأسعار محررة منذ نحو 11 سنة.

وأفادت المسؤولة الحكومية، في الجلسة ذاتها، أن الحكومة واعية بتداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على القدرة الشرائية للمواطنين، موضحة أن هذا الارتفاع ينعكس بشكل مباشر على كلفة النقل ونقل البضائع وسلاسل التموين.

وأضافت أن تدخل الدولة منذ 15 مارس كلف الميزانية حوالي 1.6 مليار درهم شهرياً، في إطار إجراءات تهدف إلى التخفيف من آثار هذه الزيادات، مشددة على أن التعامل مع هذا الملف يتم وفق مقاربة تجمع بين الحس الاجتماعي والمسؤولية المالية والاقتصادية.

كما أشارت إلى أن الحكومة تراقب الأسواق بشكل يومي عبر عدة قطاعات حكومية، من بينها وزارة الداخلية ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة الاقتصاد والمالية، وذلك لضمان احترام قواعد المنافسة ومنع أي ممارسات غير مشروعة قد تؤثر على الأسعار. وأكدت أن مجلس المنافسة سبق أن أصدر آراء متعددة بخصوص هذا القطاع، في إطار تتبع تطوراته منذ تحريره.

وفي سياق متصل، شددت الوزيرة على أن الخيار الاستراتيجي للحكومة يركز على تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، بدل الاستثمار في التكرير، معتبرة أن هذا التوجه يهدف إلى تعزيز السيادة الطاقية للمملكة وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، مع توجيه استثمارات مهمة لهذا الورش الاستراتيجي.

من جانب آخر، أثار تدبير هذا الملف انتقادات من قبل عدد من البرلمانيين، من بينهم النائبة نبيلة منيب التي اعتبرت، خلال الجلسة نفسها، أن تحرير الأسعار تم دون تأطير فعلي يحمي المستهلك، مشيرة إلى أن العبء الضريبي المرتفع، الذي يشمل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك، يساهم في رفع الأسعار النهائية، فضلاً عن ما وصفته بغياب معالجة حقيقية لتنازع المصالح، وهو ما أتاح هوامش ربح مرتفعة لفائدة الفاعلين في القطاع.

وأعادت هذه الانتقادات النقاش حول مستقبل مصفاة “لاسامير” وإمكانية استئناف نشاطها، باعتبارها، وفق المتحدث ذاتها، رافعة لتقليص التبعية للخارج وتحقيق قدر من الاستقرار في الأسعار، خاصة في ظل التقلبات الدولية، إلى جانب الدعوة إلى تسريع استغلال الموارد الطاقية الوطنية.

وكان رئيس الحكومة عزيز أخنوش، قد أكد مؤخرا أن الارتفاع الحالي في أسعار المحروقات يرتبط أساساً بظرفية دولية استثنائية، مشيراً إلى أن التوترات الجيوسياسية ألقت بظلالها على الأسواق العالمية، معتبراً أن هذه الأزمة تبقى ظرفية وأن الأسعار مرشحة للعودة إلى مستوياتها الطبيعية في المدى القريب.

وأضاف أن المغرب لا يتحكم في العوامل الخارجية المؤثرة على أسعار النفط، مؤكداً أن تحسن الأوضاع الدولية من شأنه أن ينعكس إيجاباً على السوق الوطنية، وأن هذا الملف، رغم حساسيته، لن يظل موضوعاً للتجاذب السياسي لفترة طويلة.

وبين رهانات التوازنات المالية وضغوط القدرة الشرائية، يستمر ملف المحروقات في المغرب كأحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في انتظار ما ستسفر عنه تطورات الأسواق العالمية وخيارات السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة.

آخر الأخبار