وهبي يتمسك بصيغة "ذكورا وإناثا" وسط جدل برلماني حول شهادة المرأة
خيم جدل تشريعي حاد تحت قبة مجلس النواب، اليوم الثلاثاء، خلال مناقشة المادة 67 من مشروع القانون رقم 16.20 المنظم لمهنة العدول، وذلك على خلفية الصياغة المتعلقة بشروط “اللفيف العدلي” وعدد وطبيعة الشهود، في نقاش أعاد إلى الواجهة إشكالية شهادة المرأة وحدود الاجتهاد القضائي في قضايا الإثبات، وسط تباين واضح في مواقف الفرق النيابية ومداخلات وزير العدل.
وأثارت المادة المذكورة، التي تنص على ضرورة توفر 12 شاهداً في اللفيف، جدلاً بعد إضافة عبارة “ذكوراً وإناثاً”، حيث اعتبر عدد من النواب أن هذه الصياغة قد تفتح الباب أمام تأويلات متباينة بشأن كيفية احتساب الشهود، وما إذا كان الأمر يقتضي حضور الجنسين معاً أو يترك هامشاً للاختيار، في وقت شدد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي على أن النص لا يقصد فرض الجمع بين الذكور والإناث داخل كل لفيف، بل يهدف إلى توسيع دائرة القبول دون إقصاء أي فئة.
وأوضح وهبي، خلال الجلسة العمومية، أن الإشكال القائم ناتج عن سوء فهم الصياغة، مبرزاً أن القضاء المغربي أصبح يقبل شهادة المرأة في عدد من القضايا، وأن الحسم التشريعي الدقيق في طبيعة الشهود قد يؤدي إلى تقييد سلطة القاضي في التقدير.
وأضاف متسائلاً عن جدوى حذف عبارة “ذكوراً وإناثاً” والاكتفاء بكلمة “شاهد”، معتبراً أن ذلك قد يفتح بدوره المجال لتأويلات أوسع، قبل أن يقر بصعوبة التوفيق بين مختلف المقاربات قائلاً إنه “حائر” بين الحفاظ على الصيغة الحالية أو تعديلها.
في المقابل، اعتبر رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية عبد الله بووانو أن الإبقاء على عبارة “ذكوراً وإناثاً” دون توضيح دقيق قد يطرح إشكالاً عملياً، خاصة في ظل بعض القراءات الفقهية التي تعتمد مبدأ شهادة امرأتين مقابل رجل واحد، وهو ما قد يرفع عدد الشهود المطلوبين فعلياً إلى 18 شاهداً بدل 12.
ودعا إلى التنصيص صراحة على أن العدد المحدد هو 12 شاهداً من الجنسين، مع ضرورة ضبط المعايير بشكل يحد من أي تضخم عددي محتمل.
ومن جانبه، شدد النائب عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية سعيد بعزيز على أن الصياغة الحالية لا تطرح إشكالاً من حيث المبدأ، مبرزاً أن عبارة “ذكوراً وإناثاً” وردت في عدة نصوص تشريعية سابقة دون أن تثير جدلاً مماثلاً، من بينها القانون المتعلق بالأراضي السلالية.
وأكد أن القضاء المغربي يتعامل بالفعل مع شهادة المرأة في قضايا جنائية خطيرة، قد تفضي إلى أحكام مشددة، معتبراً أن الطعن في أهليتها يتعارض مع واقع الممارسة القضائية، خصوصاً وأن المرأة يمكن أن تكون قاضية تبطل عقوداً محررة من طرف العدول.
واقترح بعزيز، في هذا السياق، إدخال تعديل توضيحي ينص على أن الشهود يمكن أن يكونوا “من الذكور أو الإناث أو هما معاً”، بهدف رفع كل لبس محتمل وتسهيل عمل القضاة، معبراً في الوقت نفسه عن طموح فريقه إلى تقليص عدد الشهود المطلوبين إلى أربعة فقط، انسجاماً مع ما يعرفه النظام القضائي من تطور في وسائل الإثبات.
وفي خضم هذا النقاش، أوضح وزير العدل أن تحديد عدد 12 شاهداً يستند إلى مرجعية فقهية، ولا سيما ما استقر عليه العمل في إطار الفقه المالكي، معتبراً أن هذا المعطى لا يحتاج إلى إعادة نقاش في المرحلة الحالية، بقدر ما يتطلب تدبيراً تشريعياً يوازن بين المرجعية الفقهية ومتطلبات التطور القانوني.
كما أكد وهبي تمسكه بالإبقاء على الصيغة التي أحالها مجلس المستشارين، مبرزاً أن الخيار الأنسب في الظرفية الراهنة هو ترك مسألة تحديد طبيعة الشهود، من حيث الجنس، للاجتهاد القضائي، خاصة في ظل التوجه المتنامي داخل المحاكم نحو قبول شهادة امرأة واحدة على غرار الرجل، وهو ما يعكس، بحسب قوله، انقساماً داخل الجسم القضائي بين توجه محافظ وآخر أكثر تحرراً.
واعتبر المسؤول الحكومي أن النص التشريعي ليس جامدا، ويمكن مراجعته مستقبلا إذا ما أفرز التطبيق العملي إشكالات حقيقية، سواء عبر تدخل المحكمة الدستورية أو من خلال مبادرات تشريعية لاحقة، داعيا في الوقت ذاته النواب إلى تمرير المادة بصيغتها الحالية لتفادي تعقيد المسار التشريعي وإعادتها إلى مجلس المستشارين.
ويعرف “اللفيف العدلي” بكونه وسيلة إثبات تقوم على شهادة مجموعة من الأشخاص لإثبات واقعة مادية أو تصرف قانوني، غير أن عدداً من المتدخلين في النقاش البرلماني سجلوا أن الإبقاء على شرط 12 شاهداً يطرح تحديات عملية في السياق الاجتماعي الراهن، الذي يتسم بتقلص حجم الأسر وتزايد الهجرة، ما يجعل جمع هذا العدد أمراً صعباً في حالات عديدة.