قبل نهاية الولاية.. ضغط برلماني يتزايد لتصحيح اختلالات التغطية الصحية

الكاتب : انس شريد

01 مايو 2026 - 10:30
الخط :

يتواصل الجدل في المغرب حول واقع المنظومة الصحية الوطنية، في سياق يتسم بتصاعد الانتظارات المرتبطة بتنزيل ورش تعميم التغطية الصحية، مقابل تحديات ميدانية متفاقمة تضع فعالية هذا الإصلاح على المحك.

وبينما تؤكد الحكومة التزامها بمواصلة إصلاح القطاع، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالتعويض عن المرض، واتساع الفجوة بين الكلفة الحقيقية للعلاجات والتعريفة المرجعية المعتمدة لدى صناديق التأمين، فضلا عن استمرار إقصاء أمراض وعلاجات حيوية من سلة الخدمات القابلة للتعويض، وهو ما يضع وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي في صدارة نقاش عمومي متنامٍ مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.

وأعاد هذا النقاش إلى الواجهة إشكال الأدوية والعلاجات الباهظة التي تظل خارج منظومة التعويض، في وقت تشير فيه معطيات ميدانية إلى أن عددا متزايدا من المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة أو نادرة، يواجهون صعوبات كبيرة في الولوج إلى خدمات صحية ملائمة.

وتؤكد فعاليات سياسية وحقوقية أن هذه الوضعية تعكس اختلالات بنيوية لا تزال تطبع المنظومة الصحية، رغم الجهود المعلنة لإصلاحها، مشددة على أن تحقيق العدالة الصحية يقتضي مراجعة شاملة لآليات التعويض وتحيينها بما يواكب التطور الطبي ويستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين.

وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لطيفة الشريف سؤالا كتابيا إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، سلطت فيه الضوء على معاناة النساء اللواتي خضعن لجراحة سرطان الثدي مع استئصال العقد اللمفاوية، وما يترتب عن ذلك من مضاعفات مزمنة، من أبرزها الإصابة بالوذمة اللمفاوية.

وأوضحت أن هذه الحالة المرضية تتسبب في تورم مؤلم ومقيد لحركة الذراع، مع ما يرافق ذلك من انعكاسات نفسية واجتماعية عميقة، مشيرة إلى أن العلاج الطبيعي، بما يشمله من تقنيات التصريف اللمفاوي اليدوي وبرامج التأهيل الوظيفي، يعد جزءا أساسيا لا يتجزأ من المسار العلاجي.

غير أن المعطيات التي أوردتها النائبة تكشف أن عددا كبيرا من المريضات يتحملن جزءا مهما من تكاليف هذا العلاج، الأمر الذي يحد من استمراريته ويؤدي في بعض الحالات إلى تدهور الوضع الصحي.

واعتبرت في معرض سؤالها أن استثناء أو تقليص تغطية العلاج الطبيعي في هذه الحالة يطرح إشكالا حقيقيا في تصور السياسات الصحية لمفهوم العلاج الشامل، متسائلة عن أسباب عدم إدراج هذا النوع من العلاجات ضمن سلة الخدمات المغطاة بالكامل، رغم ارتباطه المباشر بالتدخل الطبي الأصلي، وداعية إلى مراجعة هذا التوجه بما يضمن تكريس مبدأ العدالة في الولوج إلى الرعاية الصحية.

وفي سياق متصل، أثارت النائبة ذاتها إشكالية أخرى تتعلق بضعف الولوج إلى وسائل التشخيص المتقدمة، وعلى رأسها فحوصات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، التي تعد من الأدوات الدقيقة في تشخيص وتتبع عدد من أنواع السرطان.

وأكدت أن هذه التقنية تتيح تحديد مراحل المرض بدقة عالية، وتوجيه القرارات العلاجية بشكل أكثر نجاعة، بل وتفادي علاجات غير ضرورية، غير أن كلفتها المرتفعة تجعلها بعيدة المنال بالنسبة لفئات واسعة من المرضى، رغم انخراطهم في منظومة التأمين الصحي.

كما اعتبرت أن عدم إدراج هذه الفحوصات ضمن سلة الخدمات القابلة للتعويض يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مواكبة السياسات الصحية الوطنية للتطورات الطبية الحديثة، محذرة من أن حرمان المرضى من وسائل تشخيصية حاسمة قد يؤدي إلى تأخر في العلاج أو اعتماد خيارات علاجية أقل فعالية، بما ينعكس سلبا على صحة المرضى وعلى كلفة العلاج الإجمالية على المدى البعيد.

كما تساءلت عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتدارك هذا الوضع وضمان ولوج منصف إلى خدمات التشخيص المتقدم.

من جانبه، وجه خالد السطي، ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، سؤالا كتابيا إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، ركز فيه على معاناة مرضى داء جوشر، باعتباره من الأمراض الوراثية النادرة والمزمنة التي تنتج عن نقص في إنزيم حيوي، ما يؤدي إلى تراكم مواد دهنية داخل أعضاء حيوية وحدوث مضاعفات صحية خطيرة.

وأوضح أن العلاج التعويضي بالإنزيم، الذي يعد الخيار العلاجي الأساسي، يتطلب انتظاما مدى الحياة، فيما تصل تكلفته إلى مستويات مرتفعة جدا تفوق القدرة المادية للأسر.

وأشار السطي إلى أن عددا من المرضى يواجهون صعوبات في الاستفادة من التغطية التأمينية، بسبب عدم إدراج هذا المرض ضمن لائحة الأمراض المزمنة والمكلفة المحددة بقرار وزاري، رغم تصنيفه علميا ضمن الأمراض النادرة ذات الكلفة العالية.

وتساءل عن أسباب هذا الإقصاء، داعيا إلى مراجعة هذه اللائحة بشكل يضمن إنصاف المرضى وتمكينهم من العلاج، خاصة في ظل ما وصفه بوضعية إنسانية صعبة تعيشها الأسر المعنية.

وفي السياق ذاته، عبرت جمعيات مدنية عن قلقها المتزايد إزاء وضعية المصابين بمرض الضمور العضلي الشوكي، وهو مرض وراثي خطير يصيب الخلايا العصبية الحركية ويتسبب تدريجيا في ضعف العضلات وفقدان القدرة على الحركة، وقد تصل مضاعفاته إلى تهديد حياة المصابين، خاصة الأطفال.

وأشارت هذه الجمعيات إلى أن العديد من الأسر تجد نفسها في سباق مع الزمن لتأمين العلاج لأبنائها، في ظل عدم إدراج بعض الأدوية الحديثة، من بينها دواء “Risdiplam”، ضمن لائحة الأدوية القابلة للتعويض، ما يحرم المرضى من خيارات علاجية أساسية.

ومع استمرار هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مدى قدرتها على التفاعل مع هذه الانتقادات وتحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات عملية ملموسة، خاصة في ما يتعلق بمراجعة لوائح الأمراض القابلة للتعويض، وتحيين التعريفة المرجعية، وتوسيع سلة العلاجات والخدمات الصحية، بما يضمن عدالة الولوج إلى الرعاية الصحية ويعزز ثقة المواطنين في المنظومة الصحية الوطنية، خاصة مع دخول الحكومة ولايتها الأخيرة.

آخر الأخبار