استغلال مرافق عمومية انتخابيا يفجر أزمة داخل أغلبية البيضاء
مع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية الانتخابية الحالية، بدأت ملامح التوتر السياسي تطفو بشكل واضح داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، بعدما تحولت الخلافات التي كانت تُدار في الكواليس إلى مواجهات مباشرة خلال أشغال الدورة العادية لشهر ماي، التي انعقدت الخميس، وسط أجواء مشحونة بين مكونات الأغلبية المسيرة للمجلس، المشكلة من أحزاب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة.
وكشفت مداخلات عدد من المنتخبين خلال أشغال الدورة عن تصاعد حدة الصراع السياسي داخل التحالف الثلاثي، خاصة بين حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، على خلفية ملفات مرتبطة بتدبير مرافق القرب واتفاقيات الشراكة المتعلقة بالملاعب الرياضية والنوادي السوسيو-رياضية، إلى جانب الجدل الدائر حول تفويت بعض البقع الأرضية والورشات داخل تراب العاصمة الاقتصادية.
وأعاد النقاش المحتدم إلى الواجهة اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 2010 بين وزارة الشباب والرياضة والجماعة الحضرية للدار البيضاء، والخاصة بإحداث ملاعب القرب والنوادي الرياضية بعدد من أحياء المدينة، حيث تحولت هذه الاتفاقية إلى محور سجال سياسي حاد بين مكونات الأغلبية، عقب اتهامات وجهها فريق حزب الاستقلال بوجود استغلال سياسي وانتخابي لبعض هذه الفضاءات.
وفي هذا السياق، عبر مصطفى حيكر، رئيس فريق حزب الاستقلال بمجلس جماعة الدار البيضاء، عن رفض فريقه لما وصفه بتحويل المرافق الرياضية إلى فضاءات ذات خلفية حزبية، معتبرا أن المعطيات المتداولة داخل المجلس وبين متتبعي الشأن المحلي تثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن طريقة تدبير هذا الملف.
وقال حيكر إن هناك مؤشرات وصفها بالقوية تفيد بوجود تسييس للمشروع واستغلاله لخدمة أجندات انتخابية، مشيرا إلى أن الرأي العام المحلي يتداول معطيات تتعلق باستفادة جمعيات يُعتقد أنها قريبة من أطراف سياسية معينة من تدبير هذه الفضاءات الرياضية، في وقت تضم فيه بعض هذه الجمعيات منتخبين داخل المجلس الجماعي.
وأضاف المتحدث أن الوضع الحالي يطرح تساؤلات مرتبطة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ، خاصة في ظل الحديث عن ارتباط بعض المستفيدين بعلاقات سياسية أو عائلية مع مسؤولين حكوميين، معتبرا أن مثل هذه المعطيات تستوجب توضيحات دقيقة من الجهات المعنية حفاظا على مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص.
ولم يخف القيادي الاستقلالي تخوفه مما اعتبره انحرافا عن الأهداف الأصلية لاتفاقية الشراكة، التي كان يفترض أن تخدم شباب المدينة وسكان الأحياء الشعبية، معتبرا أن عددا من المؤشرات الحالية توحي بتحول بعض المشاريع إلى أدوات للتوظيف السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ودعا حيكر رئاسة جماعة الدار البيضاء وولاية الجهة إلى التدخل من أجل حماية الملك العمومي وضمان حيادية المرافق الرياضية، مشددا على أن تدبير هذه المنشآت يجب أن يتم وفق قواعد الحكامة الجيدة بعيدا عن أي توظيف حزبي أو انتخابي.
كما كشف أن فريقه يستعد لتوجيه أسئلة كتابية إلى رئاسة المجلس والسلطات المختصة، إضافة إلى إثارة الملف داخل البرلمان، قصد المطالبة بتوضيحات رسمية بشأن تدبير الاتفاقية والجهات المستفيدة منها، مؤكدا أن فريقه لن يستبعد اللجوء إلى القضاء في حال ثبت وجود اختلالات أو تجاوزات مرتبطة بهذا الملف.
وامتد النقاش داخل الدورة إلى ملف تفويت بعض البقع الأرضية والورشات، بعدما اعتبر حيكر أن القضية تجاوزت الطابع الإداري وأصبحت تطرح إشكالات مرتبطة بالشفافية واحترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وأوضح أن ما يتم تداوله داخل الأوساط السياسية بشأن هذه العمليات يفرض فتح نقاش مؤسساتي جاد حول مدى احترام المساطر القانونية المنظمة لتدبير الممتلكات الجماعية، مضيفا أن المنتخبين ملزمون بإثارة مثل هذه القضايا داخل المؤسسات المنتخبة حماية لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأشار إلى أن الجدل الدائر لا يرتبط فقط بالجوانب التقنية، بل يمتد إلى تساؤلات حول احتمال وجود استغلال للنفوذ أو تداخل للمصالح، خاصة مع تزامن تأسيس بعض الجمعيات مع مراحل مرتبطة بهذه الملفات، وهو ما اعتبره معطى يستدعي التدقيق والتحقيق.
وأكد حيكر أن فريقه يرفض ما وصفه بـ"العبث السياسي" في تدبير الشأن المحلي، معتبرا أن العمل السياسي ينبغي أن يقوم على التنافس الديمقراطي واحترام المؤسسات، وليس عبر توظيف مرافق عمومية أو شبكات جمعوية لخدمة حسابات انتخابية ضيقة.
في المقابل، سارع فريق الأصالة والمعاصرة إلى الرد على هذه الاتهامات، حيث أكد أحمد بريجة، رئيس فريق الحزب بمجلس الجماعة، أن ما يتم تداوله بخصوص ربط الحزب بملفات التفويت أو استغلال المرافق الرياضية لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي.
وأوضح بريجة أن حزب الأصالة والمعاصرة يتوفر على هياكل تنظيمية ومقرات خاصة به، ولا يحتاج إلى استغلال مرافق القرب أو الجمعيات من أجل تعزيز حضوره السياسي، مشددا على أن الحزب يعد قوة سياسية وازنة على المستويين الوطني والجهوي ويمارس أنشطته داخل الأطر القانونية والتنظيمية المعروفة.
وأضاف أن الخلط بين التدبير الإداري والانتماء الحزبي يساهم في خلق تأويلات سياسية غير دقيقة، معتبرا أن الملفات المرتبطة بتفويت العقارات أو تدبير المرافق الجماعية يجب أن تناقش في إطارها المؤسساتي والقانوني بعيدا عن أي توظيف سياسي.
كما دعا بريجة إلى التحلي بالدقة والمسؤولية في تناول مثل هذه القضايا، محذرا من إطلاق اتهامات أو إيحاءات من شأنها التشويش على عمل المؤسسات المنتخبة أو التأثير على صورة الفاعلين السياسيين دون وجود معطيات مثبتة.
وأكد المتحدث ذاته، أن النقاش السياسي داخل المجالس المنتخبة يجب أن يبقى مؤطرا بروح المسؤولية واحترام التعددية السياسية، مع التركيز على تقديم الحلول والانكباب على الملفات المرتبطة بتدبير المدينة بدل الانزلاق نحو تبادل الاتهامات السياسية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت بدأت فيه الحسابات الانتخابية المبكرة تلقي بظلالها على تدبير الشأن المحلي بالعاصمة الاقتصادية، حيث تبدو مكونات الأغلبية الجماعية أمام مرحلة دقيقة تتسم بتزايد التباينات السياسية واحتدام الصراع حول تدبير عدد من الملفات الحساسة، في مشهد يعكس حجم التوتر الذي يسبق عادة نهاية الولايات الانتخابية واقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة.