هل تعكس أسعار الأضاحي فشل سياسات ضبط السوق؟
مع اقتراب عيد الأضحى، بدأت الأسواق المغربية تشهد موجة جديدة من الارتفاع في أسعار الأكباش، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأسر من انعكاسات هذا الغلاء على قدرتها الشرائية، وسط استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية واللحوم الحمراء، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية التدابير الحكومية المتخذة لإعادة التوازن إلى سوق الماشية وضمان وفرة العرض خلال المناسبة الدينية الأكثر ارتباطاً بالعادات الاجتماعية للمغاربة.
وفي عدد من الأسواق الأسبوعية ونقاط بيع الأغنام بعدة مدن، تراوحت أسعار الأكباش خلال الأيام الأخيرة ما بين 3000 و7000 درهم، بحسب الحجم والسلالة، فيما تجاوزت بعض الأنواع المعروفة بجودتها هذه الأسعار بشكل لافت، الأمر الذي أثار حالة من القلق والاستياء لدى فئات واسعة من المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة التي تواجه منذ أشهر ضغوطاً متزايدة بفعل غلاء المعيشة.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت لا تزال فيه أسعار اللحوم الحمراء تحافظ على مستويات مرتفعة، إذ يتراوح سعر لحم الغنم بالتقسيط بين 120 و150 درهماً للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعكس استمرار الأزمة التي يعيشها قطاع تربية الماشية نتيجة تداعيات سنوات الجفاف المتتالية وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والإنتاج.
ومع تصاعد الجدل حول الأسعار، عاد ملف استيراد الأغنام والدعم العمومي الموجه للقطاع إلى الواجهة، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، نزار بركة، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “ساعة الصراحة” بالقناة الثانية، حيث تحدث عن ما وصفهم بـ”الفراقشية” الذين استفادوا من عمليات استيراد الماشية خلال الفترة الماضية.
وأكد بركة أن وصف “الفراقشية” لا ينطبق على جميع المستوردين، موضحاً أن بعض الفاعلين التزموا ببيع الأغنام بأثمنة معقولة، غير أن آخرين استغلوا الظرفية لتحقيق أرباح كبيرة، بعدما قاموا بإنشاء شركات خاصة للاستفادة من عمليات الاستيراد والدعم المرتبط بها.
وأشار الوزير إلى أن وزارة الفلاحة تتوفر على معطيات ولائحة تضم المستوردين الذين دخلوا هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، مضيفاً أن بعض هؤلاء استفادوا بشكل واسع من العملية وحققوا أرباحاً كبيرة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت كانت فيه البلاد تعيش أزمة مرتبطة بتراجع القطيع الوطني وارتفاع أسعار اللحوم.
وأوضح بركة أن ما جرى خلال مرحلة الاستيراد السابقة ساهم في خلق نوع من المضاربة داخل السوق، معتبراً أن بعض المتدخلين غلبوا منطق الربح السريع على المصلحة العامة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات وصفها بغير المعقولة، رغم الدعم العمومي الذي تم تخصيصه لإعادة التوازن إلى القطاع.
وفي سياق دفاعه عن حصيلة الحكومة، أكد المسؤول الحكومي أن الوضع هذه السنة يختلف عن السنوات الماضية، بفضل الإجراءات التي تم اتخاذها لإعادة تكوين القطيع الوطني، مشيراً إلى أن عدد رؤوس الأغنام والماشية بالمغرب بلغ حوالي 40 مليون رأس، وفق المعطيات الرسمية التي تم تقديمها داخل الأغلبية الحكومية.
وأضاف أن الحكومة خصصت ما يفوق 13 مليار درهم كدعم مباشر لفائدة مربي الماشية والكسابة، بهدف دعم إعادة تكوين القطيع وتحفيز الإنتاج المحلي، عوض الاعتماد بشكل كبير على استيراد الأغنام من الخارج كما حدث خلال السنوات الماضية.
وشدد بركة على أن الحكومة تراهن خلال الموسم الحالي على تعزيز السيادة الغذائية الوطنية، مؤكداً أن المغاربة سيستهلكون هذه السنة لحوماً محلية دون الحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الأغنام من دول مثل إسبانيا ورومانيا، معتبراً أن وفرة العرض ستساهم في استقرار الأسعار خلال الأسابيع المقبلة.
غير أن هذه التصريحات لم تُنه الجدل القائم حول مستقبل أسعار الأضاحي، حيث يرى متتبعون للشأن الاقتصادي أن المعطيات الميدانية داخل الأسواق لا تعكس بعدُ المؤشرات الإيجابية التي تتحدث عنها الحكومة، خاصة في ظل استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.
كما أثارت أرقام القطيع الوطني التي تحدث عنها الوزير نقاشاً واسعاً بين المتابعين، الذين تساءلوا عن الكيفية التي تمكن بها المغرب من استعادة هذا العدد من رؤوس الماشية في ظرف زمني وجيز، بعد الأزمة التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف وارتفاع تكاليف التربية والتراجع الكبير في أعداد القطيع.
وفي مقابل تطمينات الحكومة، يواصل المواطنون التعبير عن مخاوفهم من أن تعرف أسعار الأكباش ارتفاعاً أكبر كلما اقترب موعد عيد الأضحى، خصوصاً مع تزايد الإقبال على الأسواق خلال الأيام المقبلة، وهو ما قد يفتح المجال أمام المضاربة ورفع الأسعار بشكل إضافي.
وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع نقاشاً متواصلاً حول أسعار الأضاحي، حيث عبّر عدد من المغاربة عن استيائهم من استمرار الغلاء، معتبرين أن اقتناء الأضحية أصبح يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على الأسر، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام.
ويؤكد مهنيون في القطاع أن أسعار الأغنام تبقى مرتبطة بعدة عوامل، من بينها حجم العرض المتوفر، وتكاليف الأعلاف، وأسعار النقل، إضافة إلى حجم الطلب الذي يرتفع تدريجياً مع اقتراب العيد، مشيرين إلى أن أي اختلال في التوازن بين العرض والطلب ينعكس بشكل مباشر على الأسعار داخل الأسواق.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، يترقب المغاربة التدابير التي ستعتمدها الحكومة لضبط الأسواق ومحاصرة المضاربة، خاصة وأن مناسبة عيد الأضحى لا تقتصر فقط على بعدها الديني، بل تمثل أيضاً محطة اجتماعية ذات رمزية خاصة داخل المجتمع المغربي، ما يجعل استقرار أسعار الأضاحي مطلباً ملحاً بالنسبة لعدد كبير من الأسر.