المعارضة تنتقد تدبير ملفات الهدم بالبيضاء وتحذر من تجاوزات نزع الملكية

الكاتب : انس شريد

08 مايو 2026 - 07:30
الخط :

في أجواء مشحونة بالنقاش السياسي والقانوني، فجّرت ملفات نزع الملكية والهدم وإعادة التهيئة العمرانية بمدينة الدار البيضاء موجة واسعة من الجدل داخل أشغال الدورة العادية لشهر ماي لمجلس الجماعة، بعدما وجهت مكونات من المعارضة انتقادات حادة للطريقة التي يتم بها تدبير عدد من المشاريع المرتبطة بالتجديد الحضري، معتبرة أن بعض الإجراءات المتخذة تثير مخاوف حقيقية بشأن احترام المساطر القانونية وحماية الحقوق الاجتماعية للساكنة والتجار المتضررين.

وشهدت أشغال الدورة نقاشا مطولا حول مشروع تصميم التهيئة الخاص بمنطقة الحي المحمدي، قبل أن يتم الاتفاق على تأجيل التداول بشأنه إلى غاية 14 ماي الجاري، في خطوة اعتبرها متتبعون مؤشرا على وجود توافق سياسي مؤقت بين مختلف مكونات المجلس من أجل تعميق النقاش حول عدد من النقاط المثيرة للجدل، خاصة ما يتعلق بمسطرة نزع الملكية وتصنيف بعض الأحياء ضمن مناطق “التجديد الحضري”.

وفي هذا السياق، عبر مصطفى الحيا، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة الدار البيضاء، عن تخوفه من تداعيات بعض القرارات المرتبطة بإعادة التهيئة، مؤكدا أن أي تدخل عمراني يجب أن يراعي الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للساكنة، وأن عمليات نزع الملكية لا ينبغي أن تتم دون توفير تعويضات منصفة تحفظ كرامة المتضررين وتضمن استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.

وأشار المتحدث إلى أن الحي المحمدي لا يمثل مجرد مجال عمراني عادي، بل يعد فضاء يحمل رمزية تاريخية ونضالية خاصة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، بالنظر إلى ارتباطه بتاريخ المقاومة والحركة النقابية والفنية، معتبرا أن أي مشروع تهيئة لا يراعي هذه الخصوصية قد يهدد الهوية التاريخية والثقافية للمنطقة.

كما أثار الحيا الجدل المرتبط بتصنيف أحياء من قبيل درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض ضمن مجالات “التجديد الحضري”، موضحا أن غياب توضيحات دقيقة حول طبيعة هذه التصنيفات خلق حالة من القلق والترقب وسط السكان، خاصة في ظل تخوفات من إمكانية اللجوء إلى عمليات هدم أو ترحيل جديدة.

ودعا المتحدث ذاته إلى اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد وتنزيل مشاريع التهيئة، تقوم على إشراك الساكنة والفاعلين المحليين في مختلف مراحل اتخاذ القرار، مع إقرار ميثاق عمراني واضح يحدد طبيعة التدخلات المرتقبة ويحافظ في الآن ذاته على الطابع التاريخي والمعماري للحي المحمدي.

في المقابل، تصاعدت حدة الانتقادات داخل المجلس بشأن ملف “دار الستوكي”، الفيلا الأثرية التي أثار هدمها خلال الفترة الماضية جدلا واسعا بالرأي العام المحلي، بعدما قررت جماعة الدار البيضاء الشروع في مسطرة نزع ملكية العقار الذي كانت تشغله، بدعوى تخصيصه لإقامة مركز وطني للصناعة التقليدية.

واعتبر عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية بالمجلس، أن الطريقة التي يتم بها تدبير هذا الملف تشوبها اختلالات قانونية واضحة، موضحا أن مسطرة نزع الملكية لا يمكن تفعيلها قانونيا إلا بعد صدور مرسوم رسمي يعلن المنفعة العامة وينشر في الجريدة الرسمية، وفق ما تنص عليه المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

وانتقد حيكر ما وصفه بحالة “الخلط الإجرائي” في التعاطي مع الملف، مشيرا إلى أن الجماعة تحاول الجمع بين إعلان المنفعة العامة والشروع في مسطرة نزع الملكية في توقيت واحد، وهو ما اعتبره تجاوزا قانونيا قد يمنح امتيازات غير مبررة لصاحب العقار.

كما شدد المتحدث ذاته على أن إعلان المنفعة العامة ليس اختصاصا حصريا لمجلس الجماعة، بل يمر عبر مسار مؤسساتي يبدأ بمبادرة حكومية وينتهي بصدور مرسوم رسمي بعد التداول داخل المجلس الحكومي، محذرا من اختزال هذه المساطر المعقدة في قرارات محلية قد تفتح الباب أمام تأويلات قانونية وسياسية مثيرة للجدل.

وأثار حيكر بدوره تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية والواقعية للمشروع المزمع إنجازه بموقع الفيلا المهدومة، معتبرا أن اختيار حي المستشفيات بمنطقة المعاريف لاحتضان مركز للصناعة التقليدية يطرح علامات استفهام عديدة، خاصة أن المنطقة تضم بالفعل فضاءات تجارية قريبة ومتخصصة في هذا المجال.

ولم يخف المتحدث تخوفه مما وصفه بوجود “أجندات خفية” وراء بعض القرارات المتعلقة بالعقار، معتبرا أن الغموض الذي يلف الملف يغذي الشكوك بشأن احتمال وجود امتيازات غير معلنة لفائدة مالك العقار تحت غطاء مساطر إدارية مرتبطة بنزع الملكية.

وفي سياق متصل، عادت المعارضة لتسليط الضوء على عمليات الهدم الجارية بعدد من أحياء المدينة القديمة، في إطار استكمال مشروع “المحج الملكي”، والتي شملت مناطق معروفة من بينها زنقة موحى أوسعيد، حيث اعتبرت أن هذه التدخلات تتم أحيانا في ظروف يطبعها الغموض، وتخلف انعكاسات اجتماعية صعبة على الأسر والتجار المتضررين.

وأكدت مداخلات عدد من أعضاء المعارضة أن دعم المشاريع التنموية الكبرى التي تعرفها العاصمة الاقتصادية لا يعني التزام الصمت تجاه الاختلالات المحتملة في التنفيذ، مشددين على ضرورة احترام المساطر القانونية وضمان الشفافية وربط مشاريع التهيئة بمقاربة اجتماعية متوازنة تراعي مصالح السكان وتحمي حقوقهم.

من جانبه، أثار مصطفى منظور، خلال مداخلته في اجتماع مجلس جماعة الدار البيضاء، عددا من الملفات الاجتماعية والتنموية المرتبطة بمقاطعة الحي الحسني، وعلى رأسها الوضعية التي يعيشها تجار سوق “دالاس” للصناعة التقليدية بعد هدم السوق وتشريد مئات الأسر التي كانت تعتمد عليه كمصدر رئيسي للرزق.

وطالب منظور بضرورة إنصاف التجار المتضررين وإدماجهم ضمن مشاريع إعادة التأهيل المرتقبة، مع منحهم الأولوية في الاستفادة من الأسواق الجديدة، مؤكدا أن التأخر في معالجة هذه الملفات يفاقم الأوضاع الاجتماعية ويزيد من معاناة الفئات المتضررة.

آخر الأخبار