اتهامات بالفساد وهدر المال العام تطارد مشاريع ملاعب القرب

الكاتب : انس شريد

11 مايو 2026 - 07:30
الخط :

عاد ملف ملاعب القرب ليفجر جدلا سياسيا جديدا تحت قبة البرلمان، بعدما تحولت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الاثنين، إلى ساحة لتبادل الانتقادات والاتهامات بشأن ما وصفه عدد من النواب بـ”اختلالات خطيرة” شابت برامج إنجاز هذه البنيات الرياضية، وسط حديث متصاعد عن هدر المال العام وتعثر مشاريع مبرمجة منذ سنوات دون خروجها إلى حيز التنفيذ.

وأثار نواب من فرق الأغلبية والمعارضة سلسلة من الملاحظات المرتبطة بطريقة تدبير هذا الورش الرياضي، الذي تشرف عليه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، معتبرين أن عددا من المشاريع لم يحقق الأهداف المعلنة، سواء بسبب ضعف التوزيع المجالي أو اختلالات الإنجاز والتتبع والمراقبة، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن البرنامج يشكل أحد أكبر الأوراش الرياضية الموجهة للشباب بالعالمين الحضري والقروي.

وفي هذا السياق، وجه نواب الفريق الاستقلالي انتقادات حادة لطريقة توزيع ملاعب القرب بين الجماعات الترابية، معتبرين أن عددا من المناطق القروية والنائية ما تزال محرومة من هذه المرافق رغم حاجتها الملحة إليها، مقابل استفادة جماعات أخرى بشكل متكرر.

وأشاروا إلى وجود ما وصفوه بـ”حسابات سياسية وانتخابية” تتحكم أحيانا في تحديد أولويات الإنجاز، الأمر الذي يطرح، بحسب تعبيرهم، إشكالا حقيقيا يرتبط بمبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين مختلف المناطق.

وفي مداخلة أثارت تفاعلا داخل الجلسة، قال البرلماني نور الدين مضيان إن عددا من ملاعب القرب المنجزة تعاني اختلالات تقنية واضحة، مؤكدا أن بعض المشاريع انهارت أو تعرضت لأضرار كبيرة قبل تسليمها النهائي، رغم أن الأمر يتعلق، حسب قوله، بعوامل مناخية عادية لا يفترض أن تؤثر على منشآت يفترض أنها حديثة البناء.

واعتبر أن غياب التتبع والمراقبة التقنية من طرف الجهات المشرفة ساهم في تبديد أموال عمومية مهمة دون تحقيق الجودة المطلوبة.

واتهم مضيان الوزارة بشكل مباشر بـ”هدر المال العام” في عدد من المشاريع الرياضية، مشددا على أن بعض الصفقات تحتاج إلى افتحاص ومراجعة دقيقة للكشف عن ظروف إسنادها وكيفية تنفيذها، خاصة في ظل تكرار شكاوى الساكنة المحلية بشأن هشاشة البنيات المنجزة وعدم مطابقتها للمعايير المتعارف عليها.

من جهته، عبر فريق التجمع الوطني للأحرار عن دعمه لتوسيع شبكة ملاعب القرب، مشيدا بالمجهودات الحكومية الرامية إلى تعزيز البنيات الرياضية، غير أنه نبه إلى استمرار التفاوتات المجالية بين المدن والقرى، معتبرا أن عددا من الأقاليم، وعلى رأسها إقليم طانطان، ما تزال تعاني خصاصا واضحا في هذا النوع من المنشآت مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.

بدوره، أثار فريق حزب الأصالة والمعاصرة ملف تعثر برنامج سابق يتعلق بإنجاز 800 ملعب للقرب، متوقفا بشكل خاص عند وضعية إقليم أزيلال، حيث أشار نوابه إلى أن عددا من المشاريع ما تزال متوقفة أو لم تر النور رغم مرور سنوات على الإعلان عنها.

واعتبر الفريق أن الأمر يستوجب فتح تحقيق إداري وتقني في الصفقات المرتبطة بهذه المشاريع، قصد تحديد المسؤوليات وربطها بمبدأ المحاسبة.

أما الفريق الحركي، فقد سلط الضوء على ضعف تغطية جهة الدار البيضاء ـ سطات بملاعب القرب، رغم الكثافة السكانية الكبيرة التي تعرفها الجهة، مشيرا إلى أن مشاريع تمت برمجتها منذ سنة 2019 ما تزال معلقة إلى حدود اليوم دون توضيحات رسمية بشأن أسباب التأخير أو مآل الاعتمادات المالية المرصودة لها.

وفي مقابل هذه الانتقادات، دافع وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، عن حصيلة وزارته في هذا الورش، مؤكدا أن ملاعب القرب أصبحت تحتل مكانة مركزية ضمن الاستراتيجية الحكومية الرامية إلى تطوير البنيات الرياضية وتعزيز ولوج الشباب إلى ممارسة الرياضة بمختلف مناطق المملكة.

وأوضح الوزير أن الوزارة خصصت غلافا ماليا يفوق 500 مليون درهم لإنجاز وتأهيل هذه المنشآت الرياضية، مشيرا إلى أن البرنامج الحالي مكن من برمجة 731 ملعبا خلال السنة الجارية، بعدما كان الهدف الأولي يقتصر على إنجاز نحو 500 ملعب فقط.

وأضاف أن عددا مهما من هذه المشاريع انطلقت أشغاله خلال السنة الماضية، فيما يرتقب استكمال الباقي تدريجيا خلال الأشهر المقبلة.

وأكد المسؤول الحكومي أن البرنامج لا يقتصر فقط على إحداث ملاعب جديدة، بل يشمل أيضا تأهيل 48 ملعبا قائما وتحسين جودتها التقنية، إلى جانب إنجاز 30 ملعبا إضافيا بشراكة مع برنامج “فيفا أرينا”، ما سيرفع العدد الإجمالي للملاعب المبرمجة إلى حوالي 800 ملعب على المستوى الوطني.

وأشار برادة إلى أن 636 ملعبا من هذه المشاريع توجد بالعالم القروي، معتبرا أن هذا التوجه يعكس إرادة حكومية لتقليص الفوارق المجالية وتقريب البنيات الرياضية من الشباب القروي، بما يسمح بتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية ومحاربة مظاهر الهشاشة والإقصاء داخل المناطق البعيدة.

وكشف الوزير أن الوزارة وقعت خلال العامين الماضيين اتفاقيات شراكة مع جماعتي الدار البيضاء والرباط لإنجاز 250 ملعبا بكل مدينة، في إطار الاستعدادات المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى التي تستعد المملكة لاحتضانها، موضحا أن هذه الاتفاقيات ساهمت في تسريع وتيرة إنجاز عدد من المشاريع الرياضية الحضرية.

كما أبرز أن ما يقارب 780 ملعبا توجد حاليا في طور الإنجاز أو التتبع، بينها 155 ملعبا مدمجا داخل المؤسسات التعليمية، في إطار توجه جديد يهدف إلى استغلال الفضاءات المدرسية بشكل أكثر نجاعة وربط المدرسة بمحيطها الاجتماعي والرياضي.

وأضاف أن الوزارة تعتزم مستقبلا فتح هذه الملاعب أمام شباب الأحياء المجاورة خارج أوقات الدراسة، وفق ضوابط تنظيمية محددة، بما يسمح بتحويل المؤسسات التعليمية إلى فضاءات مفتوحة للرياضة والتأطير الاجتماعي، خاصة خلال الفترات المسائية والعطل الأسبوعية.

وشدد الوزير على أن الرؤية الجديدة للوزارة تقوم على اعتماد تصاميم حديثة تراعي معايير السلامة والإنارة والتجهيزات الأساسية، مع الفصل بين الفضاء المدرسي وفضاء الملعب، بهدف ضمان الاستغلال الآمن والمنظم لهذه المنشآت الرياضية، معتبرا أن هذا الورش يشكل تحولا استراتيجيا في السياسة الرياضية الوطنية من خلال تقريب البنيات الرياضية من المواطنين وتوسيع فرص ممارسة الرياضة لفائدة الشباب بمختلف جهات المملكة.

آخر الأخبار