هل أخطأت الحكومة في تقدير وفرة الأضاحي وأسعارها بالمغرب؟

الكاتب : انس شريد

28 مايو 2026 - 06:30
الخط :

تواصلت حالة الجدل الواسع التي رافقت أسواق الأضاحي بالمغرب خلال الأيام الأخيرة، رغم حلول عيد الأضحى، بعدما وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام أزمة غير مسبوقة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الأغنام وندرة العرض بعدد من الأسواق، في مشهد أعاد إلى الواجهة النقاش السياسي حول فعالية التدابير الحكومية المرتبطة بتدبير قطاع تربية الماشية، ومدى دقة المعطيات الرسمية التي تم تقديمها للرأي العام بخصوص وفرة القطيع الوطني.

وخلفت التطورات التي عرفتها الأسواق المغربية حالة غضب واسعة وسط الأسر المغربية، خاصة بعد انسحاب عدد من الباعة بشكل مفاجئ خلال الساعات الأخيرة التي سبقت العيد، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، بعدما تراوحت أثمنة الأضاحي بين 3000 و8000 درهم، فيما تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحية 90 درهما في بعض المناطق، الأمر الذي جعل عددا كبيرا من الأسر عاجزا عن اقتناء الأضحية للسنة الثانية على التوالي.

وامتد الغضب الشعبي إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول آلاف المغاربة صورا ومقاطع فيديو توثق الاكتظاظ داخل الأسواق ونقص الأضاحي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، بينما تحولت بعض الفضاءات المخصصة للبيع إلى ساحات توتر واحتجاج بسبب حالة الاحتقان التي رافقت عمليات البيع والشراء، في وقت تصاعدت فيه المطالب بفتح تحقيق رسمي لتحديد أسباب الأزمة ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات التي عرفها القطاع.

وفي خضم هذا الجدل، انتقلت القضية إلى قبة البرلمان بعدما توالت الأسئلة الكتابية الموجهة إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، حيث طالب عدد من البرلمانيين بالكشف عن الأسباب الحقيقية وراء الارتفاع القياسي للأسعار، رغم التصريحات الحكومية السابقة التي تحدثت عن وفرة كبيرة في القطيع الوطني وقدرة السوق على تلبية الطلب خلال عيد الأضحى.

وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي سؤالا كتابيا شديد اللهجة إلى وزير الفلاحة، دعا فيه إلى فتح تحقيق بخصوص الأرقام الرسمية المتعلقة بأعداد رؤوس الماشية والأسعار التي تم الإعلان عنها قبل العيد، معتبرا أن ما وقع يعكس “فشلا واضحا في تدبير ملف الأضاحي للسنة الثانية على التوالي”، كما طالب الوزير بتحمل المسؤولية السياسية وتقديم الاعتذار للمغاربة بسبب ما وصفه بحالة الارتباك التي شهدتها الأسواق الوطنية.

وأشار إبراهيمي إلى أن الحكومة كانت قد قدمت معطيات مطمئنة للرأي العام خلال الأسابيع الماضية، سواء من خلال تصريحات رئيس الحكومة أو عبر المعطيات التي عرضها وزير الفلاحة أمام مجلس النواب يوم 18 ماي 2026، والتي تحدثت عن توفر حوالي 40 مليون رأس من الماشية، مع تخصيص ما بين 7 و8 ملايين رأس لأضاحي العيد، مقابل طلب لا يتجاوز 6 ملايين رأس، وهو ما خلق انطباعا لدى المواطنين بوجود وفرة كافية وأسعار معقولة.

وأضاف البرلماني أن التصريحات الرسمية تحدثت أيضا عن إمكانية اقتناء الأضاحي بأثمنة تتراوح بين 1000 و1500 درهم، غير أن الواقع داخل الأسواق كان مختلفا تماما، بعدما تفاجأ المواطنون بندرة الأغنام وارتفاع الأسعار بشكل وصفه بـ”غير المسبوق”، الأمر الذي تسبب في حالة استياء واسعة وخلق أجواء من التوتر داخل عدد من الأسواق الشعبية.

وأكد إبراهيمي أن بعض الأسواق شهدت مواجهات وتدافعا بين المواطنين والباعة، وصلت في بعض الحالات إلى التراشق بالحجارة، بسبب التنافس الحاد على اقتناء الأضاحي، خاصة خلال الساعات الأخيرة التي سبقت العيد، معتبرا أن هذه التطورات تطرح تساؤلات جدية حول مدى مصداقية الأرقام والمعطيات التي تم تقديمها للرأي العام بخصوص وضعية القطيع الوطني.

ولم تتوقف الانتقادات عند المعارضة البرلمانية فقط، بل امتدت أيضا إلى بعض الأصوات داخل الأغلبية، حيث دخل النائب البرلماني عادل السباعي عن الفريق الحركي على خط الأزمة، عبر سؤال كتابي وجهه بدوره إلى وزير الفلاحة، متحدثا عن وجود فجوة واضحة بين التصريحات الرسمية والواقع الذي عاشه المواطنون داخل الأسواق الوطنية.

وأوضح السباعي أن الرأي العام تابع خلال الأسابيع الماضية تصريحات حكومية مطمئنة أكدت وفرة القطيع الوطني وتوفر حوالي 9 ملايين رأس مخصصة للعيد، غير أن الوضع الميداني كشف، بحسب تعبيره، عن ضعف واضح في العرض وارتفاع غير مسبوق للأسعار، وهو ما دفع عددا من الأسر إلى التخلي عن شعيرة الأضحية بسبب الغلاء.

وأشار النائب البرلماني إلى أن عددا من المواطنين اضطروا إلى الاصطفاف أمام المتاجر الكبرى أملا في العثور على أضحية بأثمنة مناسبة، بينما اشتكى مربو الماشية بدورهم من ارتفاع تكاليف الأعلاف والإنتاج، معتبرين أن الدعم العمومي المخصص للقطاع لم ينعكس بالشكل المطلوب على الأسعار داخل الأسواق.

كما أثار النائب البرلماني عن إقليم شفشاون عبد الرحيم بوعزة جدلا واسعا بعد تدوينة نشرها عبر حسابه الشخصي على موقع “فيسبوك”، وجه من خلالها انتقادات مباشرة إلى طريقة تدبير ملف ترقيم الماشية الذي أشرفت عليه وزارتا الداخلية والفلاحة عبر المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “أونسا”.

واعتبر بوعزة أن الاختلالات التي شابت عملية ترقيم الأغنام ساهمت بشكل مباشر في الأزمة الحالية، متسائلا عن الجهات التي قدمت أرقاما وصفها بغير الدقيقة حول حجم القطيع الوطني، قبل أن يلمح إلى وجود شبهات مرتبطة بتدبير الدعم المالي الموجه للقطاع، في تصريحات أثارت موجة واسعة من التفاعل السياسي والإعلامي.

وفي مقابل تصاعد الانتقادات، خرج الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية كريم زيدان للدفاع عن التدخلات الحكومية، مؤكدا أن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات لدعم مربي الماشية وتقليص كلفة الإنتاج، خاصة عبر توجيه دعم مباشر لفائدة الكسابة الصغار الذين يمثلون النسبة الأكبر داخل القطاع.

وأوضح زيدان أن حوالي 74 في المائة من المستفيدين من الدعم ينتمون إلى فئة المربين الذين يتوفرون على أقل من 20 رأسا من الأغنام، نافيا أن يكون كبار الكسابة هم المستفيد الأكبر من الدعم، معتبرا أن بعض الانتقادات المتداولة “تضلل الرأي العام” ولا تعكس حقيقة المعطيات الرسمية المرتبطة بعملية الدعم.

وشدد المسؤول الحكومي على أن الحكومة عملت على ضمان مرور عيد الأضحى في ظروف عادية من خلال تأمين وفرة الأضاحي داخل الأسواق، معتبرا أن الإشكال المرتبط بارتفاع الأسعار يعود بالأساس إلى اختلالات السوق وتداعيات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، وليس إلى غياب العرض كما يروج لذلك.

وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي واجتماعي حساس، حيث تتصاعد المطالب بفتح تحقيق شامل حول حقيقة وضعية القطيع الوطني وطرق صرف الدعم العمومي الموجه لقطاع تربية الماشية.

آخر الأخبار