كرنفال "بيلماون بودماون": احتفاء بالهوية والتراث الأمازيغي
أمينة المستاري
اختتمت مدينتا إنزكان والدشيرة موسما آخر من كرنفال «بيلماون بودماون»...تظاهرة ثقافية نظمت هذه السنة تحت شعار «الديبلوماسية الثقافية المغربية...التراث اللامادي في خدمة الوحدة الترابية المغربية»، بمشاركة جمعيات محلية ووطنية ودولية، أبدعت كل منها لوحات تنكرية فلكلورية تعبر عن عراقة التراث الأمازيغي المغربي، فيما قدمت عروضا فرجوية أبهرت جمهور المدينتين والمدن المجاورة.
وتختلف أسماء هذه التظاهرة حسب المناطق المغربية، إذ تحمل تسميات متعددة: «بولوجود» في بعض المناطق، و«بولبطاين» أو «هرما» أو «باشيخ» أو «سونا» في شمال المغرب الشرقي...هذه التسمية المتنوعة تعكس غنى التقليد وتعدد تجلياته الترابية.
فالعشرات من المتنكرين خرجوا إلى الشوارع في مسيرات تنكرية حاشدة، نزعوا عنهم ملابسهم العادية ليتحولوا إلى كائنات غريبة تحمل على رؤوسها قرون الأغنام وتلبس الجلود، فيما تزينت وجوههم بالمساحيق والأصباغ المتنوعة...غنوا وسخروا من اليومي المعاش، وأحيوا تراثا قديما على مرأى من آلاف المتفرجين الذي حجوا إلى ساحة العرض لمشاهدة إبداعات الشباب من الذكور والإناث.
ويعود هذا التقليد إلى عقود خلت، فهو يعكس تعايش السكان بسوس سواء يهودا أو مسلمين. ويرى باحثون أن «بيلماون» اعتقاد ديني عند الأمازيغ، الذين قدسوا الكبش قبل الإسلام، وهي ممارسة قديمة سبقت الديانات السماوية في شمال إفريقيا.
أما في المعتقدات القديمة، فيجلب «بيلماون» الحظ ويطرد الشر، لذلك يلمس لابسو الجلود المتفرجين ويضربونهم بقوائم الأكباش خفيفا لنقل البركة، كما يعتقد أن ضرباتهم تشفي المرضى وتجلب الخير، وهي طقوس يحضر فيها المقدس بقوة.
ورشات سرية لصنع أزياء تنكرية
اعتاد المغاربة ذبح الكبش صباح يوم عيد الأضحى، فتقوم العائلات بجمع الجلود وتنظيفها وتجفيفها حتى تصبح صالحة للتنكر، ويشكل في الأحياء ورشات سرية لصنع الأزياء والأقنعة التنكرية، وبعد العيد يخرج الجميع بما أبدعوه للاحتفال في نطاقه الترابي.
فقد تحول كرنفال «بيلماون بودماون» إلى مناسبة وفرصة للترويح عن النفس والخروج عن المألوف بشكل هزلي، يجسد فيه الشباب أدوارا ساخرة ومواضيع متنوعة تتراوح بين السياسية والرياضية وغيرها، يختارون ملابسهم ومجسماتهم التي تبرز ملامح نساء بالجلباب العريق والنقاب الشعبي المغربي... فيما يجد شباب سوس في الكرنفال فرصتهم الذهبية للابتكار، فيضعون أصباغ وأقنعة على وجوههم وألبسة غريبة ( عفاريت...)، فيما يؤدي آخرون شخصيات كالخزان وتويا وتوديت الحاج، رئيس الموكب، وينتقدون مظاهر الحياة اليومية بعبارات لاذعة...يحملون أعمدة وعصي خشبية غليظة يطرقون الأرض، في طقوس تعبيرية ذات إخراج مسرحي.
يبقى هذا الكرنفال من الظواهر الفرجوية التراثية المتجدرة في المجتمع المغربي، توارثها جيل عن جيل، ويهفو المنظمون إلى إدراج "بيلماون" ضمن قائمة الفنون الإبداعية والتراثية الوطنية التي تستحق الاهتمام، كما يسعون إلى محاربة كل الممارسات اللاأخلاقية التي تؤثر على بعدها الفرجوي، وإبعادها عن الميوعة وإعطائها بعدا دوليا يليق بتراثها العريق.