كعكة النظافة بالدار البيضاء.. مليارات جديدة وجدل سياسي محتدم
دخلت الدار البيضاء، مرحلة جديدة في تدبير قطاع النظافة بعد أن استكملت مختلف الإجراءات المرتبطة بإرساء الصفقات الخاصة بجمع النفايات وتنظيف الفضاءات العمومية، في إطار عقود تمتد من سنة 2026 إلى غاية 2034، وسط رهانات كبيرة على تحسين جودة الخدمات والاستجابة لانتظارات السكان، مقابل استمرار الجدل السياسي بشأن كلفة العقود الجديدة وطريقة توزيعها على الشركات المفوض لها.
وصادق مجلس جماعة الدار البيضاء، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة الجمعة، على العقود المتعلقة بالحصص الأولى والثانية والرابعة، والتي آلت إلى شركتي "أرما" و"SOS"، فيما تقرر تمديد تدبير الحصة الثالثة لمدة ستة أشهر إلى حين إعادة إطلاق طلب عروض جديد خلال الأسبوع المقبل، بعدما تعذر إسنادها في المرحلة الحالية بسبب المقتضيات القانونية المنظمة للصفقة.
وتعد هذه العقود من أكبر صفقات تدبير النظافة على المستوى الوطني، بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية المخصصة لها واتساع المجال الترابي الذي ستشمله الخدمات، في وقت تراهن فيه الجماعة على إحداث تحول نوعي في تدبير هذا المرفق الحيوي، استعدادا للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر العاصمة الاقتصادية، وفي مقدمتها احتضان المملكة لفعاليات كأس العالم 2030.
وأكدت رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، أن الزيادة التي عرفتها الميزانية السنوية للصفقة، والتي انتقلت من 220 مليون درهم إلى 250 مليون درهم، أي بارتفاع بلغ 30 مليون درهم، تعود أساسا إلى الارتفاع الذي شهدته أسعار المحروقات منذ إعداد دفتر التحملات.
موضحة أن السعر المرجعي المحدد عند إطلاق طلبات العروض كان في حدود 10 دراهم للتر، بينما اعتمدت جميع الشركات المتنافسة سعرا يقارب 14 درهما للتر في عروضها المالية.
وأوضحت الرميلي أن هذه الزيادة ترتبط بعامل ظرفي مرتبط بسوق المحروقات، مؤكدة أن الكلفة ستتم مراجعتها تلقائيا كلما سجلت أسعار الوقود انخفاضا.
وفي المقابل، أثارت الصفقة الجديدة انتقادات قوية من مكونات المعارضة داخل المجلس الجماعي، حيث أعلن فريق العدالة والتنمية مقاطعته عملية التصويت، معتبرا أن توزيع الحصص لا يحقق مبدأ المنافسة المتكافئة بين الشركات.
وقال المستشار عن حزب العدالة والتنمية مصطفى الحيا إن منح شركة "أرما" حصتين رئيسيتين يمنحها موقعا مهيمنًا داخل قطاع النظافة بالعاصمة الاقتصادية، معتبرا أن تمديد بعض العقود السابقة ساهم في رفع الميزانية المخصصة للقطاع بما يقارب 30 مليون درهم، وهو ما يستوجب، حسب رأيه، تقديم توضيحات إضافية بشأن كيفية تدبير هذه الزيادة.
من جهته، تساءل عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية، عن الأسباب التي أدت إلى استبعاد شركة "أفيردا"، معتبرا أن منطق المنافسة يقتضي اختيار العرض الأقل كلفة كلما توفرت الشروط القانونية والتقنية، كما سجل وجود ملاحظات مرتبطة بتدبير شركة "SOS" للمطرح العمومي، رغم فوزها بإحدى حصص الصفقة.
بدوره، عبر مصطفى منظور، المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، عن تخوفه من انعكاسات الزيادة المالية التي رافقت العقود الجديدة، داعيا إلى تعزيز الحكامة المالية والرقابة على مختلف مراحل تنفيذ الصفقة بما يضمن حسن تدبير المال العام وتحقيق النتائج المنتظرة على أرض الواقع.
وعرفت المنافسة على تدبير القطاع مشاركة خمس شركات كبرى، هي "أرما" و"SOS" و"ميكومار" و"أفيردا" إلى جانب شركة يابانية، غير أن اللجنة المكلفة بدراسة الملفات الإدارية أقصت الشركتين الأخيرتين بسبب عدم استيفائهما الشروط المنصوص عليها في دفتر التحملات، قبل الانتقال إلى تقييم العروض المالية الخاصة بباقي المتنافسين.
وأسفرت النتائج عن فوز شركة "أرما" بالحصتين الأولى والثانية، بينما آلت الحصة الرابعة إلى شركة "SOS"، في حين تقرر إعادة إطلاق المنافسة بشأن الحصة الثالثة، بعدما تجاوزت العروض المقدمة سقف التوقعات، إضافة إلى عدم إمكانية إسناد أكثر من حصتين للشركة نفسها، وفقا للمقتضيات القانونية المؤطرة للصفقة، مع الإبقاء على "أرما" لتدبير هذه المنطقة بشكل مؤقت ضمانا لاستمرارية المرفق العمومي.
ويشكل دفتر التحملات الجديد، الذي سبق أن صادق عليه مجلس الجماعة بالإجماع خلال دورة فبراير 2026، تحولا في فلسفة تدبير قطاع النظافة، بعدما انتقل من التركيز على عدد الشاحنات والآليات والموارد البشرية إلى اعتماد مؤشرات تقيس جودة الخدمات والنتائج الميدانية المحققة داخل الأحياء والشوارع.
كما يتضمن الدفتر مقتضيات مالية أكثر صرامة، من بينها تقليص هامش الربح الداخلي للشركات إلى حوالي 7 في المائة، بعد أن كان يتراوح بين 9 و13 في المائة، مع تحديد سقف للمصاريف العامة لا يتجاوز 5 في المائة، وإخضاع نفقات الوقود والصيانة لمراقبة دقيقة، فضلا عن اعتماد نظام إلكتروني لوزن النفايات على متن الشاحنات بهدف ضمان شفافية الفوترة وربط الأداء بالكميات الحقيقية التي يتم جمعها.
وعلى مستوى الخدمات، وسعت الجماعة نطاق تدخل الشركات ليشمل لأول مرة جمع مخلفات الهدم والبناء والنفايات الهامدة، إلى جانب وضع نظام خاص لتدبير نفايات الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية الكبرى، مع إحداث نحو 4700 نقطة جديدة لتجميع النفايات واعتماد حاويات حديثة تستجيب للمعايير الأوروبية.
ويلزم دفتر التحملات الجديد الشركات بضمان خدمات الجمع والكنس بشكل يومي طيلة أيام الأسبوع السبعة، مع التدخل لإزالة الإيداعات العشوائية والنقاط السوداء في أجل لا يتجاوز ساعتين من لحظة التبليغ، إضافة إلى غسل الحاويات والساحات العمومية باستعمال المياه العادمة المعالجة حفاظا على الموارد المائية.
واعتمدت الجماعة أيضا منظومة رقمية متطورة لمراقبة تنفيذ العقود، تقوم على تجهيز جميع الشاحنات والمركبات بأنظمة تحديد المواقع "GPS" وكاميرات ذكية تسمح بتتبع عمليات الجمع والكنس بشكل لحظي، ورصد أي اختلالات ميدانية، مع مراعاة خصوصية كل مقاطعة من حيث الكثافة السكانية وطبيعة الأزقة والشوارع.
ولم يغفل دفتر التحملات الجانب الاجتماعي، إذ ألزم الشركات المفوض لها باحترام جميع الحقوق المكتسبة لعمال النظافة، وضمان الأجور وشروط الصحة والسلامة المهنية، وتوفير معدات الوقاية الفردية، إلى جانب اعتماد برامج للتكوين المستمر بهدف الرفع من كفاءة العاملين وتحسين ظروف اشتغالهم.
وتراهن جماعة الدار البيضاء على أن يشكل هذا الجيل الجديد من العقود نقطة تحول حقيقية في تدبير قطاع النظافة، عبر الانتقال إلى منظومة تقوم على تقييم النتائج الميدانية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، مع تعزيز الرقابة الرقمية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن مدينة أكثر نظافة واستجابة لتطلعات سكانها خلال السنوات المقبلة.