انسحابات وأزمات معلنة.. ماذا يجري داخل مقاطعات كبرى بالدار البيضاء؟

الكاتب : انس شريد

23 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

تعيش عدد من المقاطعات الكبرى بمدينة الدار البيضاء، خلال الفترة الراهنة، على وقع حالة احتقان سياسي وإداري متصاعدة، تزامنا مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، في سياق يتسم بتكثف التجاذبات بين مكونات المجالس المنتخبة، وتراجع منسوب الانسجام داخل عدد من المكاتب المسيرة، بما يعكس انتقال التدبير المحلي إلى مرحلة سياسية حساسة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع رهانات التسيير اليومي.

ويبدو أن هذه المرحلة الانتقالية لم تمر بشكل هادئ داخل عدد من المقاطعات، حيث تحولت الدورات العادية والاستثنائية إلى محطات لإعادة إنتاج الخلافات بدل معالجة الملفات التنموية، في ظل اتساع رقعة التباين حول أولويات التدبير المحلي، وطرق اتخاذ القرار، وحدود التفويض داخل المجالس، وهو ما ألقى بظلاله على سير عدد من الأشغال وتأخر الحسم في ملفات عالقة.

وبحسب معطيات المتوفرة للجريدة 24 من مصادرها، فإن مقاطعات سيدي بليوط وعين الشق وعين السبع  تبرز في مقدمة الفضاءات التي تعرف دينامية سياسية مضطربة نسبيا، حيث تتداخل فيها الخلافات التنظيمية داخل الأحزاب مع صراعات التسيير داخل المجالس، ما أدى في حالات متعددة إلى توتر العلاقات بين الرئيس وأعضاء المكتب المسير من جهة، وبين الأغلبية والمعارضة من جهة أخرى.

في مقاطعة سيدي بليوط، يتجلى هذا الاحتقان في تصاعد الخلافات حول تدبير أشغال المجلس، حيث طفت على السطح مواقف سياسية حادة بخصوص طريقة تسيير الدورات ودرجة إشراك مختلف المكونات في اتخاذ القرار.

وقد انعكس هذا الوضع على منسوب الثقة داخل المجلس، خاصة مع بروز مواقف رافضة لبعض العمليات الانتخابية الداخلية، بما في ذلك انتخاب بعض المناصب داخل المكتب المسير، وهو ما فُسر على أنه تعبير عن أزمة تدبيرية أكثر منه خلافاً إجرائياً عابرا.

وفي هذا الصدد عبرت الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية، عن قلقها من الوضع الذي يعيشه مجلس مقاطعة سيدي بليوط، بسبب ما وصفته بالتدبير الانفرادي، والصراع المستمر بين رئيسة المجلس وأغلبيتها.

وأوضحت أن هذه الوضعية انعكست على عمل المجلس، حيث تعذر عقد عدد من الدورات ومناقشة جداول الأعمال، وهو ما اعتبرته عرقلة لمصالح المواطنين وتأخيرا في تحقيق التنمية المحلية.

وبخصوص انتخاب نائب الرئيس المدرج ضمن جدول أعمال دورة يونيو لمجلس مقاطعة سيدي بليوط، المقرر عقدها يوم الأربعاء 24 يونيو، أعلن الحزب أنه غير معني بالمشاركة في هذا الانتخاب.

وأوضح أن هذا القرار جاء بعد مناقشة الموضوع مع فريق مستشاري الحزب بالمقاطعة وإجراء المشاورات التنظيمية، معتبرا أن العملية لا تعالج الإشكالات الحقيقية التي تواجه المجلس.

أما في مقاطعة عين الشق، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً، حيث برزت خلال الدورات الأخيرة صعوبات متكررة في ضمان النصاب القانوني، نتيجة غيابات متكررة لعدد من الأعضاء، ما أدى إلى تعطيل أو تأجيل أشغال عدد من الجلسات.

وبرز هذا الوضع، مرة أخرى، بعدما اضطرت رئاسة مجلس مقاطعة عين الشق بالدار البيضاء، اليوم الثلاثاء، إلى تأجيل أشغال الدورة العادية للمجلس للمرة الثانية على التوالي، بعد تعذر استكمال النصاب القانوني اللازم لعقد الجلسة، في ظل غياب أكثر من 14 عضوا من أعضاء المجلس.

هذا الوضع أعاد إلى الواجهة سؤال الالتزام السياسي والأخلاقي للمنتخبين، في ظل تزايد الانتقادات الموجهة إلى طريقة تدبير الحضور والمشاركة داخل المجلس.

ويأتي هذا الجدل، في ظل تصاعد الخلافات بين عدد من مكونات المجلس على خلفية التطورات التي شهدها المركز الاجتماعي والثقافي بمنطقة المكانسة، وهي القضية التي تحولت في ظرف وجيز من ملف محلي مرتبط بتدبير مرفق عمومي إلى أزمة سياسية ومؤسساتية ألقت بظلالها على سير المؤسسة المنتخبة، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الأغلبية المسيرة مع اقتراب انتهاء الولاية الانتخابية الحالية.

وفي مقاطعة عين السبع، لا يقل المشهد تعقيداً، حيث سبق أن شهدت دورات المجلس انسحابات أو احتجاجات مرتبطة بجدولة الأعمال، وهو ما كشف عن هشاشة نسبية في التوافقات السياسية التي كانت تؤطر عمل المجلس في فترات سابقة.

وقد ساهمت هذه التوترات في تعميق النقاش حول حدود التنسيق بين المكونات السياسية داخل المجالس الترابية، ومدى قدرتها على تجاوز منطق الاصطفاف الحزبي نحو منطق تدبير الشأن العام المحلي.

وتشير مصادر الجريدة 24 إلى أن هذا التوتر لم يعد مقتصراً على لحظات التصويت أو الدورات الرسمية، بل امتد إلى ما قبلها وما بعدها، من خلال نقاشات داخلية حادة حول جدولة الأعمال، وتحديد الأولويات، وتدبير الملفات ذات الطابع الاجتماعي والخدماتي، الأمر الذي جعل من عمل المجلس يعيش على وقع استقطاب دائم بين مكونات متعددة الرؤى والتوجهات، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتسابق الأحزاب لكسب الأولوية.

وتجمع هذه الحالات، رغم اختلاف سياقاتها المحلية، على إبراز ملامح مرحلة سياسية دقيقة تتسم بإعادة ترتيب التوازنات داخل المجالس المنتخبة، حيث يتقاطع البعد المحلي للتسيير مع الحسابات السياسية المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، ما يجعل من تدبير المرحلة الحالية عملية أكثر تعقيداً من مجرد تسيير يومي تقني.

وبين تصاعد التوترات داخل المقاطعات، وتزايد النقاش حول الحكامة المحلية، تبدو نهاية الولاية الانتخابية الحالية مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الفاعلين السياسيين على إدارة الاختلاف داخل المؤسسات المنتخبة، دون الإضرار بسير المرافق العمومية أو تعطيل المشاريع التنموية ذات الأولوية.

آخر الأخبار