أرقام مقلقة بشأن تشغيل النساء تضع حصيلة الحكومة تحت الضغط
عاد ملف التمكين الاقتصادي للمرأة المغربية إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني بالمملكة، في ظل تزايد التساؤلات حول حصيلة البرامج العمومية الموجهة لتعزيز مشاركة النساء في الدورة الاقتصادية الوطنية، وذلك مع اقتراب الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش من استكمال ولايتها وما يرافق ذلك من تقييم لأثر السياسات الاجتماعية والتنموية التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية.
وشهدت الجلسة الشفهية المنعقدة، اليوم الثلاثاء، بمجلس المستشارين، نقاشاً موسعاً حول واقع الإدماج الاقتصادي للنساء والفتيات المغربيات، حيث استعرض المتدخلون حصيلة عدد من المبادرات الحكومية الرامية إلى تقوية حضور المرأة في سوق الشغل وتعزيز استقلاليتها الاقتصادية، مقابل استمرار تحديات بنيوية ما تزال تحد من استفادة النساء بشكل أوسع من فرص التشغيل والاستثمار.
وفي هذا الإطار، أكد المستشار البرلماني عن حزب الاصالة والمعاصرة سعيد البرنيشي أن التمكين الاقتصادي للنساء يشكل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، معتبراً أن تعزيز مشاركة المرأة في التنمية الاقتصادية ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية ومع مقتضيات الفصل التاسع عشر من الدستور الذي ينص على المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والحريات.
وسجل البرنيشي أن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات الرامية إلى دعم النساء في مجالات المقاولة وريادة الأعمال، مشيراً إلى تخصيص غلاف مالي يناهز 386 مليون درهم ضمن برنامج "التمكين والريادة"، الذي يستهدف مواكبة النساء الحاملات للمشاريع وتعزيز فرص اندماجهن الاقتصادي وتوسيع آفاق الاستقلالية المالية لفئات واسعة من النساء بمختلف جهات المملكة.
كما أبرز أن البرامج الموجهة لدعم المشاريع المدرة للدخل والتعاونيات النسائية ساهمت في تشجيع ثقافة المبادرة الفردية والجماعية، خاصة لدى النساء المنحدرات من الفئات الاجتماعية الهشة وساكنة المناطق القروية، معتبراً أن هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة نحو تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز حضور المرأة داخل النسيج الإنتاجي الوطني.
وفي مقابل هذه المؤشرات، لفت المستشار البرلماني إلى استمرار عدد من الإكراهات المرتبطة بضعف مشاركة النساء في سوق الشغل، موضحاً أن المعطيات الرسمية تفيد بأن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء لا يتجاوز 17.5 في المائة، مقارنة بـ66.4 في المائة لدى الرجال، بينما لا تمثل النساء سوى 21 في المائة من مجموع اليد العاملة، رغم أنهن يشكلن نسبة مهمة ضمن الفئات غير النشيطة اقتصادياً.
واعتبر المتحدث أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي مواصلة الإصلاحات المرتبطة بتحسين شروط ولوج المرأة إلى سوق العمل، من خلال توفير خدمات الرعاية والحضانة وتسهيل التوفيق بين الحياة الأسرية والمهنية، فضلاً عن معالجة بعض العوامل الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر على فرص انخراط النساء في الأنشطة الاقتصادية.
ودعا البرنيشي إلى توجيه برامج التكوين والتأهيل نحو القطاعات الواعدة المرتبطة بالتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الاجتماعي، بما يسمح للنساء باكتساب مهارات جديدة تتلاءم مع التحولات التي يشهدها سوق الشغل وتستجيب للمتطلبات المتزايدة للاقتصاد الحديث.
كما شدد على أهمية تحسين ولوج النساء إلى التمويل والأسواق وآليات المواكبة بعد إطلاق المشاريع، معتبراً أن استدامة المقاولات النسائية تتطلب مواكبة مستمرة تضمن قدرتها على التطور والمنافسة والمساهمة في خلق فرص الشغل وتحقيق القيمة المضافة.
من جانبها، أكدت نعيمة بن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، أن التمكين الاقتصادي للنساء يندرج ضمن الأولويات الاستراتيجية للدولة، مشيرة إلى أن مختلف البرامج الحكومية تعتمد على مقاربة تشاركية تجمع عدداً من القطاعات والمؤسسات العمومية بهدف توسيع دائرة استفادة النساء من فرص الإدماج الاقتصادي وتحسين أوضاعهن الاجتماعية.
وأوضحت الوزيرة أن الجهود المبذولة في هذا المجال أسفرت عن نتائج ملموسة، من بينها استفادة 2700 امرأة من برنامج المقاولات الفلاحية، فيما بلغ عدد التعاونيات النسائية بالمملكة 7891 تعاونية، وهو ما يعكس تنامي حضور النساء في الأنشطة الإنتاجية والمبادرات الاقتصادية الجماعية.
وأضافت أن البرامج الحكومية الحالية لا تقتصر على تقديم الدعم المباشر فحسب، بل تستهدف أيضا تقوية القدرات الاقتصادية والاجتماعية للنساء، خصوصاً في العالم القروي والمناطق الجبلية، عبر توفير آليات المواكبة والتكوين والتأهيل بما يمكنهن من الاندماج الفعلي والمستدام في الاقتصاد الوطني.
ويأتي تجدد النقاش حول هذا الملف في وقت تتزايد فيه المطالب بتسريع وتيرة الإصلاحات الموجهة لتعزيز مشاركة المرأة في سوق الشغل، وسط قناعة متنامية بأن رفع معدلات النشاط الاقتصادي لدى النساء يشكل أحد الرهانات الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً وتعزيز مؤشرات التنمية الاجتماعية خلال السنوات المقبلة.