احتفالات المونديال...من سجدة الأسود إلى انحناءات "الساموراي"
أمينة المستاري
تحول كأس العالم 2026 إلى لوحة فنية ترسمها المشاعر الإنسانية، وتنافست المنتخبات في الاحتفال بالفوز أمام جماهيرها بطرق مبتكرة، خاصة مع وصول البطولة إلى أدوارها المتقدمة، واللحظات الحاسمة "خروج المغلوب"، حيث شهدت الملاعب الأمريكية والمكسيكية والكندية أساليب احتفالية وثقت لتلاحم بين اللاعبين والمشجعين.
طرق تعبيرية تعكس ثقافة المنتخبات الكروية بعد كل انتصار، فالمنتخبات اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين واصلت الاعتماد على الكرنفالات الراقصة وحلقات الرقص الجماعي أمام المدرجات، مع إشراك الجمهور في غناء الأهازيج الشعبية التراثية.
أما المنتخبات الأوربية ركزت على تحية "التصفيق الجماعي المنظم"، المستوحى من المدارس الإسكندنافية، كنوع من رد الجميل للجماهير التي قطعت مسافات طويلة للمؤازرة.
فيما أصحاب الأرض من المنتخب الأمريكي والكندي، فقد تميزت احتفالاتهم بالطابع الاحتفالي العصري المعتمد على التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي ومشاركة اللحظات بشكل فوري مع الجماهير في الملعب على شاشات العرض الكبرى.
المغاربة بدورهم لهم طقس خاص بهم، ففي وسط الأجواء الاحتفالية العالمية، خطف منتخب الأسود الأضواء بأسلوب احتفالي فريد تجاوز المستطيل الأخضر ليصبح حديث وسائل الإعلام العالمية، لاسيما بعد الإطاحة بمنتخب كندا بثلاثية نظيفة أهلته لربع النهائي.
فمباشرة بعد صافرة النهائية، يسجد المنتخب بكل أعضائه سجدة الشكر، ويتحول الملعب إلى مشهد عائلي بامتياز، يتكتل المنتخب للاحتفال كعائلة، مشكلين دائرة ترفع فيها أجساد منهكة من اللعب المتواصل، في خطوة تعكس تلاحما كبيرا داخل المجموعة، قبل أن يتوجه المنتخب مع الأطر الإدارية والطبية نحو المدرجات التي تغص في كل مباراة بالجماهير المغربية والعربية، والوقوف في خط مستقيم رافعين أيديهم ليصفقوا في وقت واحد بإيقاع متناسق "سيييرررر" وارتداء القبعات "الشمالية" وتبادل أقمصتهم أو منحها لمشجعين أو لصغار عاشقين المستديرة الساحرة... هذا الرد التلقائي خلق لوحة بصرية وصوتية مهيبة أظهر مدى التقدير المتبادل بين اللاعبين والجمهور المساند لهم.
لا ينتهي الاحتفال هنا، فمباشرة يهرع اللاعبيون وحتى المدرب وهبي للبحث عن شريكة حياته وابنه لتقاسم إحساس النصر معهم، فيما يعانق اللاعبون أمهاتهم وزوجاتهم في صور عائلية انتشرت عبر العالم، وأظهرت الحس العائلي في أبهى تجلياته... فهو الوقود المعنوي.
المنتخب المصري بدوره تميز بطابع احتفالي، مزج بين البهجة الشعبية والعاطفة الجياشة، ويتحول المدرج إلى حارة شعبية، ترتفع فيه الأهازيج الشعبية، وارتداء الإكسسوارات المستوحاة من الحضارة الفرعونية كالأقنعة...وسط رقصات جماعية عفوية وتناغم بين الآلاف.
أما على الملعب فالمنتخب المصري بمجرد تحقيق الفوز يتوجه اللاعبون جماعيا نحو أقرب بقعة للسجود، وتشكيل حلقات للرقص ومشاركة الجماهير الرقصات والقفزات مع حرص اللاعبين على إلقاء قمصانهم كنوع من رد الجميل لمشجعيهم، وللمشجعين العرب الذين حجوا إلى الملاعب لمؤازرتهم.
المنتخب النرويجي احتفل بطريقته التاريخية، فقد اتسم الاحتفال بالاندفاع البدني والقوة المستوحاة من ثقافة "الفايكينج" : صيحة "الفايكينج" الارتدادية على طريقة المنتخبات الإسكندنافية. يقف اللاعبون أمام جماهيرهم في خط مستقيم عبر صفوف، كما لو كانوا في قارب، ويبدأ القائد برفع يديه وتصفيق بطيء يتبعه زئير جماعي من المدرجات بكلمة موحدة، وتتسارع وثيرة التصفيق والصراخ تدريجيا حتى تصل ذروة احتفالية حماسية تهز جنبات الملعب. ويحرض نجوم النرويج على التقاط صور تذكارية سريعة سريعة ومنحهم قصمان اللعب مما يخلق رابطا عاطفيا قويا خلف الفريق.
منتخب اليابان "الساموراي الأزرق" قدم بدوره درسا استثنائيا في الأخلاق الرياضية، لدرجة أن سلوكهم عقب المباريات تحول إلى حدث عالمي. فبعض النظر عن نتيجة المباراة، يتوجه اللاعبون وجهازهم الفني بخطى منظمة نحول المدرجات ويصفقون بانتظام، ثم يقومون بانحناءة جماعية عميقة تدوم لبضع ثوان، تقديرا للمشجعين الذين ساندوهم...هذا المشهد المهيب يعكس ثقافة الاحترام والامتنان العميقة في الهوية اليابانية.
الملفت للنظر، أن الجماهير اليابانية واصلت تقليدها الشهير بجمع المخلفات وتنظيف المدرجات بعد نهاية المباريات، وفي المقابل يحرص اللاعبون على ترك غرف تبديل الملابس نظيفة تماما ولامعة، مع ترك رسائل شكر مكتوبة بالخط باللغتين اليابانية والإنجليزية، وطي طيور " الأوريغامي" الورقية كرمز للسلام والتفاؤل.