تعثر "فرصة" يشعل التراشق السياسي داخل الأغلبية قبل انتخابات 2026
باتت الخلافات بين الأغلبية الحكومية المكونة من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، أكثر وضوحا في الآونة الأخيرة، بعدما انتقلت من اختلافات في تقييم عدد من السياسات العمومية إلى تبادل انتقادات علنية بشأن حصيلة البرامج الحكومية، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، مع تحميل شركائه مسؤولية الإخفاقات التي رافقت بعض الأوراش الكبرى.
ودخل برنامج "فرصة" الحكومي دائرة التجاذب السياسي بقوة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، بعدما تحول من أحد أبرز الأوراش التي راهنت عليها الحكومة لدعم ريادة الأعمال وتشجيع المبادرات الشبابية إلى محور مواجهة مباشرة بين مكونات الأغلبية، في مؤشر جديد على تصاعد التوتر داخل التحالف الحكومي مع اقتراب نهاية ولايته، وبدء الأحزاب في رسم ملامح معركتها الانتخابية.
وكانت الحكومة قد أطلقت برنامج "فرصة" سنة 2022 باعتباره أحد أبرز برامج دعم المبادرة الفردية والمقاولة الذاتية، من خلال توفير تمويلات بشروط تفضيلية لفائدة حاملي المشاريع، مرفقة بمواكبة تقنية وتكوينية تروم تعزيز فرص نجاح المشاريع وخلق مناصب الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي.
غير أن مسار تنزيل البرنامج على أرض الواقع أفرز، وفق عدد من المستفيدين، تحديات لم تكن متوقعة عند إطلاقه، إذ يؤكد العديد منهم أن المواكبة التي وُعدوا بها تراجعت بشكل ملحوظ بعد صرف التمويلات، في وقت اصطدمت فيه مشاريعهم بارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، وتراجع القدرة الشرائية، واشتداد المنافسة، وهي عوامل ساهمت في تعثر عدد من المبادرات التي كانت تُعوَّل عليها لتحقيق الاستقرار المهني والمالي لأصحابها.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحولت قصص تعثر مشاريع برنامج "فرصة" إلى موضوع متداول على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث نشر عدد من المستفيدين شهادات تحدثوا فيها عن الصعوبات التي واجهوها في الحفاظ على استمرارية مشاريعهم، مؤكدين أن الإكراهات الاقتصادية الراهنة جعلت الوفاء بالالتزامات المالية أمرًا بالغ الصعوبة، وهو ما زاد من حجم الضغوط التي يعيشونها.
وأعادت كلمة نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال مشاركتها في المنتدى الإقليمي للمرأة بعمالة أنفا، إشعال الجدل حول هذا الورش الحكومي، بعدما وجهت انتقادات مباشرة إلى وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، التي تقودها فاطمة الزهراء عمور، معتبرة أن الوزارة تتحمل المسؤولية السياسية عن طريقة تنزيل البرنامج والإشراف على تنفيذه، مؤكدة أن النتائج المسجلة على أرض الواقع لا تعكس الأهداف التي أعلن عنها عند إطلاق المبادرة.
ووصفت كوكوس برنامج "فرصة" بأنه تحول إلى "ورطة" بالنسبة لعدد من المستفيدين، معتبرة أن المعطيات المتداولة بشأن تعثر المشاريع تطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذا الورش.
ولم تقتصر انتقادات القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة على الجانب التنفيذي للبرنامج، بل امتدت إلى اللجنة الاستطلاعية التي شكلها مجلس النواب لتقييم حصيلته، حيث اعتبرت أن تأخر إخراج التقرير النهائي إلى الرأي العام يثير الكثير من علامات الاستفهام، مشيرة إلى أن التقرير انتهى إعداده دون أن يرى النور حتى الآن، مع تحميل مقرر اللجنة، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، مسؤولية عدم استكمال مسطرة اعتماده.
وكشفت كوكوس أنها تتوفر على شهادات لمستفيدين أكدوا أنهم تلقوا وعوداً بالاستفادة من الدعم، قبل أن يؤسسوا مقاولاتهم ويستثمروا في تجهيزها واستئجار مقرات لممارسة أنشطتهم، ليجدوا أنفسهم لاحقاً أمام التزامات مالية ثقيلة دون الحصول على الدعم المنتظر، وهو ما تسبب، بحسب روايتها، في دخول عدد منهم في دوامة من الديون والصعوبات المالية.
كما سبق أن أكد نواب الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، أن آلاف المشاريع تعيش وضعية صعبة، مطالبيت بإيجاد حلول مناسبة لوضعية المقاولين غير القادرين حاليا على السداد، بما يحميهم من المتابعات القضائية ويدعم استمرارية مشاريعهم.
ومع العد التنازلي لانتهاء الولاية الحكومية، تبدو البرامج الاجتماعية والاقتصادية مرشحة لتكون في صلب النقاش الانتخابي، وسط مطالب متزايدة بالكشف عن الحصيلة الفعلية لمختلف الأوراش الحكومية، وفي مقدمتها برنامج "فرصة"، الذي انتقل من مشروع راهنت عليه الحكومة لدعم الشباب وتحفيز الاستثمار الصغير إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الأغلبية، في انتظار ما ستسفر عنه التقارير الرسمية والتقييمات المؤسساتية بشأن مستقبله وآفاق معالجة أوضاع المستفيدين الذين يواجهون صعوبات حقيقية في مواصلة مشاريعهم.