ملفات عالقة ووعود مؤجلة.. هل فشلت الحكومة في امتصاص غضب النقابات قبل نهاية ولايتها؟

الكاتب : انس شريد

23 يوليو 2026 - 09:30
الخط :

تدخل الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، الأشهر الأخيرة من ولايتها وسط تصاعد ملحوظ في حدة الانتقادات الصادرة عن عدد من المركزيات النقابية والهيئات المهنية، التي تعتبر أن حصيلة السنوات الماضية لم تستجب لجزء مهم من المطالب الاجتماعية والمهنية العالقة، رغم ما شهدته جولات الحوار الاجتماعي من اتفاقات وإجراءات همت بعض الفئات.

وتؤكد النقابات أن العديد من الملفات الأساسية ما تزال تراوح مكانها، الأمر الذي يزيد من منسوب الاحتقان الاجتماعي ويعيد إلى الواجهة مطالب تتعلق بتحسين الأجور والقدرة الشرائية، وإنصاف فئات من الموظفين والمتقاعدين، وتسريع تنزيل الالتزامات الحكومية قبل انتهاء الولاية الحالية.

وترى المركزيات النقابية أن القدرة الشرائية للأجراء والمتقاعدين عرفت تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة بفعل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية، معتبرة أن الزيادات التي تم إقرارها في الأجور لم تنعكس بالشكل الكافي على المستوى المعيشي للأسر، كما انتقدت تمرير القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، معتبرة أن عددا من مقتضياته أثارت تحفظات واسعة داخل الأوساط النقابية.

وفي قطاع التربية الوطنية، يتواصل الجدل بشأن عدد من الملفات التي لم يتم الحسم فيها رغم الاتفاقات السابقة، إذ تؤكد نقابات التعليم أن جزءا من الالتزامات الواردة في اتفاقي 10 و23 دجنبر 2023، إضافة إلى مقتضيات النظام الأساسي الجديد، لم يتم تنزيله بالشكل المطلوب، وهو ما أبقى حالة التوتر قائمة داخل القطاع مع اقتراب انطلاق موسم دراسي جديد.

وسجل المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ما وصفه بعدم الوفاء بعدد من الالتزامات المتفق بشأنها، معتبرا أن عددا من نساء ورجال التعليم حرموا من الاستفادة من الترقية بسبب العقوبات التأديبية المرتبطة بمشاركتهم في الحراك التعليمي، داعيا إلى معالجة هذا الملف بما يضمن مبدأ الإنصاف واحترام الحقوق الإدارية والمهنية.

كما وجهت النقابة انتقادات لطريقة تدبير الحركات الانتقالية، معتبرة أن النتائج أفرزت اختلالات ونواقص أثرت على عدد كبير من العاملين بالقطاع، مطالبة بالكشف عن جميع المناصب الشاغرة، والتفاعل بجدية مع الطعون المقدمة، إلى جانب مواصلة الحوار بشأن مختلف الملفات الفئوية وتنفيذ ما تبقى من الالتزامات المتعلقة بالتعويضات وتخفيض ساعات العمل وتحسين الظروف المهنية.

وتشدد الهيئات النقابية على أن عددا من الفئات ما تزال تنتظر تسوية أوضاعها، من بينها أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، وأصحاب ملف الزنزانة 10، وضحايا المادة 81، والمتصرفون التربويون، إلى جانب المختصين التربويين والإداريين وفئات أخرى تعتبر أن مطالبها لم تعرف أي تقدم ملموس خلال الفترة الأخيرة.

وفي الجانب المرتبط بالسياسات التعليمية، عبرت النقابة الوطنية للتعليم عن تحفظها تجاه استمرار اعتماد ما وصفته بمنطق التجريب في إصلاح المنظومة التربوية، معتبرة أن تعميم نموذج مؤسسات الريادة يتم دون تقييم موضوعي وشامل لنتائجه وانعكاساته على المدرسة العمومية، محذرة من اتساع الفوارق التعليمية والاجتماعية وما قد يترتب عن ذلك من تكريس لعدم تكافؤ الفرص بين المتعلمين.

وأكدت النقابة أن إصلاح المدرسة العمومية يظل رهانا استراتيجيا يقتضي تبني رؤية وطنية مستقرة تقوم على معالجة الاختلالات البنيوية، بدل الاستمرار في اعتماد مقاربات ظرفية لا تحقق، بحسب تقديرها، التحول المنشود في جودة التعليم ومخرجاته.

وفي قطاع التعليم العالي، بدوره، عاد الاحتقان إلى الواجهة بعد إعلان النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، رفضها لما اعتبرته تعثرا في الحوار مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، منتقدة استمرار تأخر إخراج النظام الأساسي الخاص بموظفي القطاع، وعدم صرف الزيادة المالية المعلن عنها والمحددة في ألف درهم، فضلا عن استمرار عدد من الملفات المهنية دون تسوية.

وكانت النقابة قد خاضت يوم 14 يوليوز إضرابا وطنيا، دعت من خلاله إلى الإسراع بإخراج النظام الأساسي الجديد، وتنفيذ الالتزامات السابقة، وتعزيز الموارد البشرية لمواجهة الضغط المتزايد داخل المؤسسات الجامعية وإدارات القطاع، مؤكدة أن الموظفين متمسكون بمطالبهم المهنية والاجتماعية إلى حين الاستجابة لها.

وبالتوازي مع ذلك، عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى صدارة النقاش العمومي، باعتباره من أكثر الملفات الاجتماعية والمالية تعقيدا، في ظل التحذيرات المتواصلة بشأن الوضعية المالية لبعض الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، الذي يواجه تحديات مرتبطة بتزايد العجز وتراجع الاحتياطيات المالية، وهو ما يفرض، بحسب عدد من المتابعين، الإسراع بإصلاح يضمن استدامة المنظومة ويحافظ على حقوق المنخرطين والمتقاعدين.

ورغم حضور هذا الملف في مختلف جولات الحوار الاجتماعي خلال السنوات الماضية، فإن تباين وجهات النظر بين الحكومة والمركزيات النقابية حول طبيعة الإصلاح والخيارات الممكنة حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ما أبقى الورش مفتوحا أمام الحكومة في مرحلة توصف بالحاسمة.

وفي هذا الإطار، رفعت المنظمة الديمقراطية للشغل من سقف انتقاداتها، معتبرة أن تأخر الإصلاح ساهم في استمرار الأوضاع الصعبة لفئات واسعة من المتقاعدين، مشيرة إلى أن عددا كبيرا منهم يتقاضون معاشات تتراوح بين 1000 و2000 درهم، وهي مبالغ ترى المنظمة أنها لم تعد قادرة على تلبية المتطلبات الأساسية للعيش في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة.

وأضافت المنظمة أن نحو 2.5 مليون مسن في المغرب يوجدون خارج أي نظام للتقاعد، فيما يعتمد حوالي 70 في المائة منهم على التضامن العائلي كمصدر رئيسي للدخل، داعية إلى إصلاح شامل يتضمن الرفع من الحد الأدنى للمعاشات، وربطها بمستويات التضخم، وتحسين خدمات التغطية الصحية، مع إشراك ممثلي المتقاعدين في مختلف مراحل إعداد الإصلاح.

ومع اقتراب انتهاء الولاية الحكومية، تبدو الحكومة أمام مرحلة دقيقة تتزايد خلالها المطالب بتسريع وتيرة معالجة الملفات الاجتماعية العالقة، في وقت تؤكد فيه النقابات أن الأشهر المتبقية لم تعد تسمح بمزيد من التأجيل، محذرة من أن ترحيل هذه الملفات إلى الولاية المقبلة قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاحتجاجات والإضرابات، خاصة في القطاعات الحيوية، وهو ما يجعل قدرة الحكومة على استكمال التزاماتها الاجتماعية أحد أبرز الاختبارات التي ستطبع نهاية ولايتها.

آخر الأخبار